هبة زووم – الرباط
إذا كان الورش الملكي للحماية الاجتماعية قد شكل أحد أكبر المشاريع الإصلاحية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، فإن النجاح الحقيقي لهذا الورش لا يقاس بحجم الشعارات المرفوعة أو بعدد المنخرطين الجدد في منظومة التأمين الإجباري عن المرض، بل بمدى قدرة المؤسسات المكلفة بتنزيله على ضمان ولوج فعلي وسريع ومنصف للعلاج، خاصة بالنسبة للمصابين بالأمراض الخطيرة وعلى رأسها داء السرطان.
ومن هذا المنطلق، بات ملف مرضى السرطان يطرح أسئلة متزايدة حول مدى قدرة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على مواكبة الرؤية الملكية التي جعلت من الحماية الاجتماعية رافعة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية وصون كرامة المواطنين.
فرغم المجهودات المبذولة لتوسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض، ما تزال معاناة عدد من المرضى تكشف عن فجوة واضحة بين الطموح المعلن والواقع المعيش، فالمريض لا يبحث عن بطاقة تغطية صحية بقدر ما يبحث عن علاج سريع وفعال يضمن له فرص النجاة ويحفظ له كرامته الإنسانية في مواجهة واحد من أخطر الأمراض وأكثرها تكلفة.
وتكشف شهادات العديد من المرضى وأسرهم أن مسار التكفل ما يزال محفوفاً بعدد من العراقيل المرتبطة بطول المساطر الإدارية، وصعوبة الولوج إلى بعض العلاجات المتخصصة، والتأخر في الموافقة على بعض الأدوية المكلفة، فضلاً عن استمرار تفاوتات مجالية تجعل فرص العلاج تختلف من جهة إلى أخرى.
وتزداد حدة هذه الإشكالات عندما يتعلق الأمر بمرض السرطان، حيث يصبح عامل الزمن عنصراً حاسماً في فرص العلاج والشفاء. فكل تأخير في التشخيص أو العلاج أو الموافقة على البروتوكولات العلاجية قد تكون له انعكاسات مباشرة على الحالة الصحية للمريض، وهو ما يجعل أي خلل في منظومة التكفل يتجاوز البعد الإداري ليصبح قضية إنسانية بامتياز.
كما أن عدداً من الفاعلين في المجال الصحي يعتبرون أن توسيع التغطية الصحية لم يواكبه بالسرعة نفسها تطوير العرض الصحي الوطني، سواء من حيث الموارد البشرية أو التجهيزات أو الطاقة الاستيعابية للمراكز المتخصصة في علاج السرطان. وهو ما جعل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يجد نفسه أمام طلب متزايد على الخدمات الصحية دون توفر الشروط الكافية لضمان التكفل السلس والفعال بجميع المرضى.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات جوهرية حول مدى جاهزية المؤسسة لمواكبة التحولات الكبرى التي أفرزها تعميم الحماية الاجتماعية، وحول قدرتها على الانتقال من منطق التدبير الإداري التقليدي للملفات إلى منطق المواكبة الصحية الفعلية للمواطنين، خصوصاً الفئات الهشة والمصابين بالأمراض المزمنة والخطيرة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في أهمية الأدوار التي يقوم بها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو بما راكمه من خبرة مؤسساتية على امتداد سنوات، بل بضرورة الاعتراف بأن حجم الانتظارات المجتمعية أصبح أكبر بكثير من الآليات الحالية المعتمدة، وأن الرؤية الملكية للحماية الاجتماعية تتطلب مستويات أعلى من النجاعة والسرعة والمرونة في الاستجابة لحاجيات المواطنين.
فإذا كانت الدولة قد وفرت الإطار القانوني والمالي لتعميم الحماية الاجتماعية، فإن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في تحويل هذا الحق إلى خدمة صحية فعلية يشعر بها المواطن في المستشفى ومركز العلاج وقاعة الفحص، لا أن تظل محصورة في المؤشرات والإحصائيات والتقارير السنوية.
إن مرض السرطان أصبح اليوم بمثابة اختبار حقيقي لمدى نجاح منظومة التأمين الإجباري عن المرض في المغرب، فإما أن تتحول الحماية الاجتماعية إلى أداة فعلية لحماية المرضى ومرافقتهم في رحلة العلاج، وإما أن تبقى مجرد مشروع طموح تصطدم أهدافه النبيلة بإكراهات التدبير وبطء الإصلاحات.
وفي انتظار معالجة هذه الاختلالات، يبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: هل ينجح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في الارتقاء إلى مستوى الرؤية الملكية التي جعلت من كرامة المواطن وحقه في العلاج أولوية وطنية، أم أن أعطاب الواقع ستستمر في إرباك واحد من أهم الأوراش الاجتماعية في تاريخ المغرب الحديث؟
تعليقات الزوار