هبة زووم – تنغير
في الوقت الذي كانت فيه قاعة الاجتماعات بعمالة تنغير تحتضن، يوم أمس الاثنين، مراسيم الاحتفاء بالذكرى الحادية والعشرين لإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، كانت عشرات الدواوير الجبلية بالإقليم تواصل العيش على وقع العزلة والهشاشة وغياب أبسط شروط العيش الكريم، في مشهد يلخص الهوة العميقة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.
الاحتفال الذي ترأسه مولاي إسماعيل هيكل، بحضور مسؤولين ومنتخبين وفعاليات مختلفة، أعاد إنتاج نفس اللغة الخشبية المعتادة حول “تحسين ظروف عيش المواطنين” و”دعم المشاريع المدرة للدخل”، غير أن الساكنة التي ما تزال تكابد يومياً مع الطرق المهترئة، وضعف الخدمات الصحية، وهشاشة البنيات التعليمية، باتت تتساءل عن الأثر الحقيقي لكل هذه الملايير التي صُرفت تحت يافطة التنمية البشرية.
لقد تحولت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، في عدد من المناطق، من ورش ملكي طموح يحمل أبعاداً اجتماعية وإنسانية نبيلة، إلى مناسبة سنوية للاحتفال واستعراض الأرقام والصور الرسمية، دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على الواقع الاجتماعي لفئات واسعة من المواطنين، خاصة في الأقاليم الجبلية التي ما تزال تعاني من الفقر والتهميش والإقصاء المجالي.
فأي تنمية بشرية يمكن الحديث عنها في إقليم لا تزال فيه نساء حوامل يقطعن الكيلومترات للوصول إلى مستوصف يفتقر للتجهيزات؟ وأي حصيلة “إيجابية” يمكن تسويقها في ظل استمرار الهدر المدرسي، وغياب فرص الشغل، وتحول شباب المنطقة إلى وقود للهجرة السرية واليأس الاجتماعي؟
ورغم الخطابات المتفائلة التي تتحدث عن “دعم الشباب” و”تعزيز الاقتصاد الاجتماعي”، فإن الواقع يكشف أن عدداً كبيراً من المشاريع التي أُطلقت في إطار المبادرة إما توقفت بعد أشهر قليلة، أو تحولت إلى مشاريع صورية موسمية تستهلك المال العمومي أكثر مما تخلق أثراً تنموياً دائماً.
الأخطر من ذلك أن جزءاً من هذه المشاريع أصبح، بحسب متابعين للشأن المحلي، رهيناً بمنطق الولاءات والانتقائية، حيث تستفيد جمعيات بعينها بشكل متكرر، بينما يتم إقصاء فعاليات جادة فقط لأنها خارج دائرة النفوذ أو الحسابات الانتخابية الضيقة.
ولم يعد خافياً أن عدداً من المسؤولين المحليين يتعاملون مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية باعتبارها خزّاناً للصور الرسمية والتقارير الإدارية، بدل اعتبارها رافعة حقيقية لتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية التي ما تزال تخنق مناطق واسعة من الإقليم.
إن تنغير اليوم لا تحتاج إلى مزيد من حفلات البروتوكول والخطب المنمقة، بل تحتاج إلى شجاعة سياسية وإدارية للاعتراف بأن جزءاً مهماً من المشاريع المنجزة لم يحقق الأهداف المعلنة، وأن التنمية لا تقاس بعدد الاجتماعات واللافتات، بل بما يشعر به المواطن البسيط في حياته اليومية.
فبعد واحد وعشرين عاماً على إطلاق هذا الورش الملكي، يبقى السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط بإلحاح: أين هي التنمية التي وُعدنا بها؟ ولماذا ما تزال الهوة تتسع بين المغرب الرسمي الذي يُقدَّم في التقارير، والمغرب الحقيقي الذي يعيشه المواطن في القرى والجبال والمناطق المنسية؟
تعليقات الزوار