فجيج: العامل أوعبو يُعيد سيناريو برشيد ويحول مشاريع المبادرة الوطنية إلى طقوس بروتوكولية

هبة زووم – محمد أمين
في مشهد بدا وكأنه نُسخ حرفياً من سيناريوهات ماضية، ترأس عامل إقليم فجيج، السيد نور الدين أوعبو، يوم الأربعاء 18 مارس 2026، حفل صرف الشطر الثاني من مساهمة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، حيث استفاد 54 شاباً وشابة من تمويل مشاريعهم بمبلغ إجمالي ناهز 2.76 مليون درهم.
لكن وراء الأرقام والصور البروتوكولية، يطفو سؤال مُقلق على السطح: هل يُعيد العامل أوعبو في فجيج نفس “منهجية التدبير” التي سادت في برشيد؟ تلك المنهجية التي حولت تدبير الشأن المحلي إلى ما يشبه برنامج “من سيربح المليون”، حيث تُوزع الفرص والمشاريع وفق حظوظ وقرعات لا وفق معايير واضحة ودراسات جدوى؟
برشيد: من “مَن سيربح المليون” إلى فوضى ما بعد الصرف
لا يُخفى على المتتبعين للشأن المحلي أن فترة تدبير العامل أوعبو لإقليم برشيد شهدت انتقادات واسعة حول طريقة توزيع مشاريع المبادرة الوطنية والتنمية بشكل عام، فقد تحولت العديد من العمليات إلى طقوس بروتوكولية تركز على أرقام الصرف وصور الحفلات، بينما تُهمل مرحلة المتابعة وضمان الاستدامة.
والنتيجة؟ برشيد اليوم تُوصف من قبل فاعلين محليين بأنها غارقة في الفوضى، فاقدة لأي بصيص أمل في المستقبل القريب، مع مشاريع متعثرة، وشباب محبطين، ومال عام يُصرف دون ضمانات للنجاعة.
فجيج: 2.76 مليون درهم ولكن لأي مصير؟
54 مشروعاً، 2.76 مليون درهم، متوسط تمويل يقارب 51 ألف درهم لكل مشروع، أرقام تبدو مُشجعة على الورق، لكن التجربة في برشيد تعلمنا أن الورق لا يكفي.
فالمشاريع التي مُوّلت في برشيد ضمن نفس البرنامج، كم منها لا يزال قائماً بعد سنة أو سنتين؟ وكم من شاب تحول من مستفيد إلى محبَط بعد اصطدامه بواقع التسويق والتدبير دون مواكبة حقيقية؟
هذا السؤال الوجودي يطرح إشكاليات استراتيجية لفجيج: لماذا لا تُعلن العمالة عن تقارير متابعة دورية لمشاريع المبادرة الوطنية لضمان الشفافية؟ وأين هي لجان المواكبة المستقلة التي تضم خبراء ومقاولين ناجحين لمرافقة المستفيدين؟ وكيف يمكن ضمان عدالة الانتقاء بينما تُترك معايير اختيار المشاريع حبيسة كواليس اللجن؟
تحسين الدخل أم تحسين الصورة؟
يُقدم البرنامج تحت شعار تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، لكن التجربة في برشيد أظهرت أن الشعارات لا تكفي دون آليات تنفيذ ومؤشرات قياس.
فتحسين الدخل الحقيقي يتطلب مشاريع قابلة للنمو وخلق فرص شغل إضافية، ومنتجات أو خدمات تلبي حاجيات السوق المحلي والجهوي، وقدرة على المنافسة والاستمرار دون اعتماد دائم على الدعم العمومي، ومواكبة تقنية وإدارية مستمرة تساعد المستفيدين على تجاوز العراقيل.
فتحويل المبادرة الوطنية من برنامج تنموي متكامل إلى عملية صرف مالي فقط لا يُحقق الأهداف المنشودة، بل قد يُهدر فرص الشباب ويُضعف ثقتهم في جدوى هذه المبادرات.
العامل أوعبو: أي درس من برشيد لأي رهان في فجيج؟
يُذكر أن العامل نور الدين أوعبو سبق له أن ترأس عمالة إقليم برشيد، قبل تعيينه على رأس إقليم فجيج، وفي ظل هذا الانتقال، يترقب السكان والفاعلون المحليون مدى قدرة المسؤول الجديد على تجاوز عقلية البروتوكول لخدمة روح التنمية.
فالتجارب الماضية في عدة أقاليم أظهرت أن حفل الصرف هو مجرد بداية الطريق، وأن التحدي الحقيقي يكمن في مرحلة ما بعد التمويل، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تعلم العامل أوعبو من أخطاء برشيد؟ أم أنه سيُعيد نفس المنهجية في فجيج؟
من الصرف إلى المتابعة الفعلية
لم يعد مقبولاً أن تُترك مشاريع شباب فجيج رهينة الصرف المالي والصمت المؤسسي بعد الحفل، فما يحتاجه الشباب والمهتمون بالشأن التنموي اليوم هو إعلان رسمي وشفاف عن منهجية المواكبة المعتمدة لمشاريع المبادرة الوطنية، مع نشر تقارير دورية حول نسبة نجاح المشاريع.
كما يتطلب الأمر إحداث خلية مواكبة جهوية تضم خبراء في التدبير، والتسويق، والتكوين، لمرافقة المستفيدين بشكل فعلي لا شكلي، بالإضافة إلى تنظيم لقاءات دورية بين المستفيدين والخبراء الاقتصاديين لتبادل التجارب وحل الإشكاليات الميدانية.
ويُنتظر أيضاً مراجعة معايير الانتقاء لضمان اختيار المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية العالية، مع إشراك المجتمع المدني في عملية المراقبة، لضمان عدالة وشفافية تدبير أموال المبادرة الوطنية.
إما تعلم من الماضي وإما تكرار الفشل
ما تعيشه فجيج مع صرف دعم الشباب ليس حدثاً تنموياً عادياً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة المحلية وقدرة العامل أوعبو على تجاوز عقلية برشيد” لخدمة روح التنمية.
فإما أن يتعلم المسؤول الجديد من أخطاء الماضي، ويضمن مواكبة شاملة وشفافة لمشاريع الشباب، ومحاسبة كل من يُهدر المال العام في مشاريع غير مجدية، وإما أن تستمر ثقافة البروتوكول التي تُحوّل المبادرة الوطنية من برنامج تنموي إلى ورشة صور إعلامية وتُهدر ثقة الشباب في قدرة الدولة على دعمهم فعلياً.
شباب فجيج ينتظرون، والتمويل ليس هدية والمشروع ليس صورة في حفل والمواطن ليس متفرجاً على أرقام تُصرف دون ضمانات للنجاح، فبرشيد دفعت ثمن أخطاء قاتلة فهل ستدفع فجيج الثمن نفسه؟
والمال العام اليوم ليس صورة إعلامية والشباب ليسوا أرقاماً في إحصائيات وفجيج تستحق أفضل من مسؤولين يُكررون سيناريوهات الفشل بدلاً من بناء مستقبل جديد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد