هبة زووم – الرباط
دخل مهنيو نقل الخرسانة بجهة الدار البيضاء في إضراب مفتوح عن العمل ابتداء من الاثنين 18 ماي 2026، في خطوة تصعيدية تعكس حجم الاحتقان الذي بات يخنق قطاعاً حيوياً أصبح، بحسب المهنيين، رهينة للاحتكار والتمييز و”الدعم على المقاس”.
القرار لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد سنوات من الصمت والتجاهل، وبعدما اكتشف مهنيو نقل الخرسانة أنهم خارج حسابات الحكومة كلما تعلق الأمر بالدعم والحماية، بينما تُفتح خزائن المال العام بسخاء لفائدة قطاعات ولوبيات بعينها، في مشهد يختزل بدقة منطق “المغرب بسرعتين”: مغرب المحظوظين ومغرب من يُطلب منهم فقط الصبر والصمت.
بلاغ المكتب الجهوي للمنظمة الديمقراطية للنقل واللوجستيك متعددة الوسائط كان واضحاً وهو يدق ناقوس الخطر، معلناً أن الإضراب سيتواصل إلى حين فتح حوار “جاد ومسؤول”، ينهي حالة الإقصاء التي يعيشها المهنيون، ويضع حداً للاختلالات التي حولت القطاع إلى غابة اقتصادية يتحكم فيها الأقوى.
الغضب الأكبر لدى المهنيين لا يتعلق فقط بحرمانهم من الدعم الاستثنائي الذي استفادت منه فئات أخرى من النقل الطرقي، بل أيضاً بما يعتبرونه احتكاراً مفضوحاً تمارسه شركات إنتاج الخرسانة، التي لم تعد تكتفي بالإنتاج، بل ابتلعت كذلك أنشطة النقل والتوزيع، في ضرب صارخ لمبدأ المنافسة وتكافؤ الفرص.
بمعنى أوضح، فإن الشركات الكبرى أصبحت الخصم والحكم في الوقت نفسه، تنتج الخرسانة وتنقلها وتتحكم في السوق وأسعار الخدمات، بينما يُترك صغار المهنيين لمواجهة الإفلاس البطيء، دون حماية قانونية أو تدخل حكومي يوقف هذا التغول الاقتصادي.
ولم يتوقف نزيف القطاع عند هذا الحد، إذ يشتكي المهنيون كذلك من متاهة “المصادقة التقنية” للشاحنات، والتي تحولت، بحسب تعبيرهم، إلى كابوس إداري ومالي استنزف المقاولات الصغيرة وأغرقها في الخسائر، وسط صمت رسمي يثير الكثير من علامات الاستفهام.
الأخطر في هذه الأزمة أن تداعياتها لن تبقى محصورة داخل القطاع، بل قد تمتد إلى عدد من أوراش البناء والأشغال الكبرى بجهة الدار البيضاء، التي تعتمد بشكل أساسي على خدمات نقل الخرسانة. وهو ما ينذر بشلل محتمل في مشاريع سكنية وبنيات تحتية، في وقت تروج فيه الحكومة لخطابات “الإقلاع الاقتصادي” و”تحفيز الاستثمار”.
ما يحدث اليوم يكشف مرة أخرى أعطاب نموذج اقتصادي يقوم على حماية الكبار وترك الصغار لمواجهة مصيرهم. فحين يصبح الدعم العمومي امتيازاً انتقائياً، وتتحول المنافسة إلى احتكار مقنن، يصبح الاحتقان نتيجة طبيعية، ويغدو الإضراب آخر لغة يفهمها من يديرون القطاعات بمنطق الأرقام الباردة لا بمنطق العدالة الاقتصادية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ستتحرك الحكومة لفتح حوار حقيقي يعيد التوازن للقطاع، أم أن مهنيي نقل الخرسانة سيلتحقون بدورهم بقائمة طويلة من الفئات التي اكتشفت متأخرة أن السوق في المغرب ليس حراً كما يُقال، بل محكوم بمنطق النفوذ والمصالح؟
تعليقات الزوار