هبة زووم – الرباط
لم يعد ما يقع في مراكش من انهيارات متكررة داخل أوراش البناء مجرد حوادث عرضية يمكن تبريرها بالقضاء والقدر أو أخطاء تقنية معزولة، بل أصبح مؤشّرًا خطيرًا على فشل ممنهج في تدبير المدينة، وانهيار فعلي لمنظومة المراقبة، وتراكم أعطاب سياسية وإدارية تتحمّل فاطمة الزهراء المنصوري مسؤوليتها المباشرة.
فالانهيار المفاجئ لحائط تابع لإحدى أوراش البناء، زوال يوم الجمعة 16 يناير الجاري، بحي عين مزور، والذي خلّف إصابة أحد المارة، لم يكن سوى حلقة جديدة في مسلسل أسود يتكرر بنفس السيناريو: ورش غير مؤمَّن، مراقبة غائبة، مواطنون عُزّل، ثم بلاغات صامتة أو تبريرات باردة بعد فوات الأوان.
الأخطر أن هذا الحادث جاء بعد أيام فقط من انهيار عمارة من خمسة طوابق بالحي الشتوي في فاتح يناير 2026، في مدينة يفترض أنها تخضع لصرامة المراقبة بسبب ثقلها السياحي والعمراني.
ما يحدث في مراكش لم يعد يُطرح كسؤال تقني حول جودة الإسمنت أو احترام التصاميم، بل كسؤال سياسي وأخلاقي مباشر: من المسؤول عن تحويل المدينة الحمراء إلى فضاء مفتوح للموت المجاني؟ ومن يحمي حق الساكنة في الحياة داخل مدينة تُسَيَّر بمنطق التساهل، أو الصمت، أو غض الطرف؟
في هذا السياق، لا يمكن القفز على مسؤولية فاطمة الزهراء المنصوري، التي تتحمّل تبعات ما يجري من موقعين لا ثالث لهما.
أولًا، بصفتها عمدة لمدينة مراكش، أي المسؤولة الأولى عن تتبع أوراش البناء، وتفعيل لجان المراقبة، وضمان احترام شروط السلامة داخل المجال الحضري.
وثانيًا، بصفتها وزيرة الإسكان وسياسة المدينة، أي الجهة الحكومية التي يفترض أنها تقود إصلاح منظومة التعمير والبناء على المستوى الوطني.
هذا التداخل بين المحلي والوطني لا يمنح المنصوري هامش تبرير، بل يضاعف حجم المسؤولية. فكيف يمكن لمدينة تسيرها وزيرة الإسكان نفسها أن تتحول إلى بؤرة لانهيارات متكررة؟ وكيف يُطلب من المغاربة الثقة في سياسة إسكانية وطنية بينما نموذجها التطبيقي في مراكش ينتج الخوف، والضحايا، وعمارات مهددة بالسقوط؟
دخول المنتدى المغربي لحقوق الإنسان بجهة مراكش–آسفي على خط الحادث، ببلاغ شديد اللهجة، لم يأت من فراغ. فالمنتدى تحدث صراحة عن أزمة عمرانية عميقة، وخلل في الحكامة، وضعف فاضح في منظومة المراقبة، مع تراكم الإهمال وشبهات التواطؤ.
وهي أوصاف لا يمكن فصلها عن طريقة التسيير التي تطبع المجلس الجماعي للمدينة، حيث يبدو أن أوراش البناء تشتغل بمنطق “دعه يمر”، إلى أن تقع الفاجعة.
الأثر النفسي والاجتماعي لهذه الحوادث لا يقل خطورة عن الخسائر الجسدية. ساكنة أحياء كاملة تعيش تحت هاجس السقوط، داخل بنايات تشبه “قنابل إسمنتية” موقوتة، فيما المسؤولون يواصلون تدبير المدينة من المكاتب المكيفة، بعيدًا عن الخطر الحقيقي الذي يهدد الأرواح.
إن استمرار هذا الوضع يكشف فشلًا واضحًا في المقاربة المعتمدة من طرف عمدة المدينة، فشلًا في الاستباق، في المراقبة، في المحاسبة، وفي التواصل الصريح مع الرأي العام.
وهو فشل لا يمكن تغليفه بخطابات سياسية أو إنجازات رقمية، لأن معيار النجاح الحقيقي لأي تدبير محلي هو حماية حياة المواطنين، لا عدد المشاريع المعلنة.
اليوم، لم يعد المطلوب بيانات تنديد ولا أخبار عن فتح تحقيقات لا تعرف مآلاتها ولا تنتهي بمحاسبة المخطئين، بل تدخلًا حازمًا من السلطة الوصية، وعلى رأسها والي جهة مراكش–آسفي الخطيب لهبيل، لتفعيل آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، قبل أن تتحول مراكش إلى عنوان دائم للفواجع العمرانية.
فاستمرار نفس طريقة التسيير لم يعد مجرد إخفاق إداري، بل تهديدًا مباشرًا لحياة ساكنة مدينة سبعة رجال، ومسؤولية سياسية كاملة تتحملها فاطمة الزهراء المنصوري.
تعليقات الزوار