التعاقد المفروض: ملف مطوي في خطاب رئيس الحكومة وجرح مفتوح في جيوب الأساتذة وسط دعوات لوضع حد للتضليل
هبة زووم – الرباط
في لحظة بدا فيها رئيس الحكومة عزيز أخنوش، خلال الجلسة العمومية المشتركة أمام البرلمان، واثقاً من نجاحه في طي ملف أساتذة التعاقد، فاجأه المجلس الوطني للتنسيقية الوطنية للأساتذة وأطر الدعم المفروض عليهم التعاقد ببيان فاضح يُعرّي ما وصفه بالتضليل والمغالطات التي يتضمنها الخطاب الحكومي.
سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إذا كان الملف مطوياً كما يُعلن رئيس الحكومة، فلماذا لا يزال الأساتذة يُعانون من ترقية مجمدة ومعاشات مسروقة وأبنك تُقاضيك؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل حقوقاً مكتسبة إلى وعود مقرصنة تحت غطاء إصلاح القطاع؟
فبينما يُراهن أخنوش على خطاب الحصيلة لإقناع البرلمان والرأي العام بنجاح سياساته، يجد الأستاذ المتعاقد نفسه أمام واقع مرير: اقتطاعات تُخصم من راتبه دون أن تصل لصندوق التقاعد، تعويضات عائلية عالقة في أدراج الأكاديميات، وترقيات مجمدة رغم استحقاقها القانوني. سؤال يُعيد طرح إشكالية وجودية: إذا كانت الحكومة تفتخر بإنجازات لا يراها أصحاب الحق، فمن يملك الحقيقة في هذا الملف؟
وفي هذا السياق، اعتبر المجلس الوطني للتنسيقية، ضمن بلاغه، أن ما وصفه بالتضليل الذي يلجأ إليه رئيس الحكومة كل سنة، يؤكد أن كل ما تم تداوله حول ملف التعاقد هو مجرد مغالطات، ويتضمن معطيات غير صحيحة يكذبها الواقع الذي يعيشه المفروض عليهم التعاقد.
فتحويل الحقوق الاجتماعية من استحقاق قانوني إلى ورقة خطابية لا يُهدر فقط كرامة المهنيين، بل يُرسّخ ثقافة اللامبالاة المؤسسية التي تُقدم راحة الخطاب على شرف العدالة.
وكشف المصدر ذاته، أن الأساتذة المعنيين تم تجميد وقرصنة حقهم في الترقية بالرتب المستحقة، وكذا توقف حقهم في الانخراط في نظام المعاشات المدنية المسير من قبل الصندوق المغربي للتقاعد، رغم استمرار الاقتطاعات من رواتبهم من المنبع.
هذا السياق المقلق يطرح أسئلة محرجة: لماذا لا تُعلن وزارة الاقتصاد والمالية عن آلية تتبع للاقتطاعات الاجتماعية من رواتب الأساتذة المتعاقدين، لضمان أن أي خصم لا يتحول إلى سرقة مؤسسية؟ وأين هي آلية التعويض الفوري للأستاذ الذي يُقتطع من راتبه دون أن يُسجل له حق في المعاش، بدلاً من تركه ينتظر فرجاً إدارياً قد لا يأتي؟ وكيف يمكن بناء ثقة بين المهنيين والمؤسسات بينما تُترك “شبهات القرصنة” تُحيط بملفات حساسة كالحقوق الاجتماعية؟
فتحويل الاقتطاع الاجتماعي من حق مكتسب إلى عملية وهمية لا يُهدر فقط حقوق الأساتذة، بل يُعمّق شعورهم بالعجز الحقوقي الذي يُحوّل الدولة من حامية للحقوق إلى شريك في الانتهاك.
كما أشار البلاغ إلى أن الأساتذة المتعاقدين تم التسبب لهم في مشاكل قانونية مع الأبناك المقرضة، لمن لهم قروض تتم عبر آلية الاقتطاع من المنبع وليس التسديد البنكي العادي.
هذا الواقع المر يطرح إشكاليات استراتيجية: لماذا لا تُعلن الحكومة عن بروتوكول تنسيق مع القطاع البنكي لحماية الأساتذة المتعاقدين من أي إجراء قانوني ناتج عن خلل إداري في آلية الاقتطاع؟ وأين هي آلية التعويض عن الضرر للأستاذ الذي يُقاضيه البنك بسبب تأخير إداري لا دخل له فيه؟ وكيف يمكن ضمان حماية اجتماعية للمهنيين بينما تُترك شبهات الإهمال تُحيط بملفات حساسة كالعلاقة مع الأبناك؟
فتحويل العلاقة مع الأبناك من حق تعاقدي إلى ساحة نزاع لا يُهدر فقط استقرار الأساتذة المعيشي، بل يُرسّخ ثقافة الإفلات من المحاسبة التي تُقدم راحة الإدارة على شرك الحماية.
وخصوصاً المنتقلين منهم من أكاديمية إلى أخرى عبر الحركة الانتقالية الوطنية، الذين تُقرصن تعويضاتهم العائلية العالقة بذمة الأكاديمية الأصلية، ويُحذف منهم مبلغ التعويض التكميلي عن التدريس بسلك التعليم الثانوي التأهيلي.
فلم يعد مقبولاً أن تُترك ملفات أساتذة التعاقد رهينة الخطابات المزورة وصمت الإنصاف، فما يحتاجه الأساتذة والمهتمون بالشأن التربوي اليوم هو: إعلان فوري عن خريطة حقوق شفافة لأساتذة التعاقد، تشمل الترقيات، المعاشات، التعويضات، مع آجال تنفيذ ملزمة، اعتماد آلية تتبع رقمية تسمح لكل أستاذ بمتابعة حالة حقوقه المالية والاجتماعية إلكترونياً، لضمان الشفافية، مع تفعيل “لجنة وساطة مستقلة” لحل النزاعات بين الأساتذة المتعاقدين والإدارات، مع سلطة اتخاذ قرارات ملزمة.
ما يعيشه أساتذة التعاقد مع ملف الحقوق المقرصنة ليس خلافاً إدارياً عادياً، بل هو اختبار وجودي لمصداقية السياسات التربوية وقدرة الحكومة على تجاوز عقلية التضليل لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحول وعود الإنصاف من كلمات في خطاب إلى حقوق في الحسابات، مع إرادة سياسية حقيقية ومحاسبة فعلية، وإما أن تستمر ثقافة التضليل التي تُحوّل المسؤولية من تكليف لخدمة الأستاذ إلى مغنم للخطابة وتُهدر ثقة المغاربة في قدرة مؤسساتهم على ضمان كرامة من يحملون رسالة التربية.