هبة زووم – محمد خطاري
في توقيت يثير أكثر من علامة استفهام، خرج القيادي الاتحادي كمال هشومي، عضو المكتب السياسي لـحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بقراءة نقدية لاذعة لطريقة وتوقيت تقديم الحصيلة الحكومية أمام البرلمان، معتبراً أن ما يُقدَّم على أنه التزام دستوري، يخفي في العمق انزياحاً سياسياً خطيراً نحو منطق انتخابي مكشوف.
فبينما يُفترض أن تكون الحصيلة الحكومية لحظة مساءلة حقيقية، تقف فيها الحكومة أمام ممثلي الأمة لتقييم منجزاتها وإخفاقاتها، يرى هشومي أن اختيار عرضها في مستهل آخر دورة تشريعية، وعلى بُعد أشهر قليلة من الانتخابات، يُفرغها من مضمونها الرقابي، ويحيلها إلى مجرد “استعراض سياسي” يُراد منه تلميع الصورة أكثر من تقديم الأجوبة.
الانتقاد هنا لا يطال الشكل، بل يضرب في العمق فلسفة الممارسة السياسية، حيث تتحول آلية دستورية نبيلة إلى أداة للتسويق الانتخابي، في وقت تعيش فيه البلاد تحديات اقتصادية واجتماعية خانقة، كان الأجدر أن تكون الحصيلة مناسبة للاعتراف بالاختلالات وتقديم حلول ملموسة، لا منصة لإعادة تدوير الخطاب الرسمي.
ويذهب المتحدث أبعد من ذلك، حين يطرح سؤالاً صادماً: هل نحن أمام حكومة تُحاسَب فعلاً، أم أمام حكومة تُعلن نهاية دورها التنفيذي بشكل غير مباشر؟ فمجرد الإيحاء بأن زمن الإنجاز قد انتهى، يفتح الباب أمام مرحلة “تصريف أعمال سياسي” غير معلن، حيث تتراجع وتيرة الفعل الحكومي لصالح حسابات التموقع الانتخابي.
إن أخطر ما في هذا الوضع، وفق هذه القراءة، هو تكريس منطق “العدّ التنازلي” داخل مؤسسات يفترض أن تشتغل بمنطق الاستمرارية والمسؤولية إلى آخر يوم من الولاية.
فالدولة لا تُدار بمنطق الحملات، ولا تُختزل في سباق نحو صناديق الاقتراع، بل تقوم على التزام دائم بخدمة المواطنين، بعيداً عن الحسابات الظرفية الضيقة.
وفي هذا السياق، يصبح تقديم الحصيلة، بدل أن يكون لحظة قوة للمؤسسات، مؤشراً مقلقاً على اختلال في ترتيب الأولويات، حيث تتقدم لغة الأرقام الانتقائية والإنجازات المعلبة، على حساب الجرأة السياسية في مواجهة الواقع كما هو.
ما يطرحه هشومي اليوم ليس مجرد رأي سياسي عابر، بل هو تنبيه صريح إلى منزلق خطير: حين تتحول المؤسسات إلى أدوات في معركة انتخابية مبكرة، يفقد العمل الحكومي معناه، وتُفرغ الديمقراطية من روحها، ليبقى المواطن وحده في مواجهة خطاب لا يُقنع وواقع لا يتغير.
تعليقات الزوار