لفتيت يعترف بفشل منظومة أسواق الجملة ويعد بإصلاح جذري يضع حدا لسطوة الوسطاء

هبة زووم – محمد خطاري
يبدو أن الحكومة بدأت أخيرًا تعترف، ولو بشكل غير مباشر، بأن جزءًا كبيرًا من أزمة الغلاء التي أنهكت المغاربة لم يكن سببه فقط الجفاف أو الأسواق الدولية، بل أيضًا فوضى التوزيع و”مافيا الوسطاء” التي حولت أسواق الجملة إلى فضاءات للمضاربة والاغتناء السريع على حساب القدرة الشرائية للمواطنين.
في هذا السياق، كشف وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت عن قرب إحالة مشروع قانون جديد على البرلمان لإعادة هيكلة أسواق الجملة بالمملكة، في خطوة توصف بأنها محاولة متأخرة لوضع حد لسنوات من الفوضى والاختلالات التي ظلت تنخر منظومة التسويق والتوزيع.
المشروع الجديد، بحسب المعطيات المعلنة، يحمل وعودًا كبيرة، أبرزها تقليص عدد الوسطاء إلى وسيط واحد فقط بين المنتج والمستهلك، مع فرض نظام رقمي صارم يحدد هوية البائع والمشتري ويضبط مسار السلع داخل الأسواق.
أخطر ما في تصريحات لفتيت ليس الإعلان عن مشروع القانون في حد ذاته، بل الاعتراف الصريح بأن النموذج الحالي لأسواق الجملة أصبح عاجزًا عن مواكبة التحولات الاقتصادية والتجارية، وأنه تحول إلى بيئة خصبة للمضاربة والاحتكار والتلاعب بالأسعار.
فالمغاربة كانوا يسمعون منذ سنوات عن “الإصلاح” و”تنظيم الأسواق”، بينما كانت أسعار الخضر والفواكه والأسماك تقفز بشكل جنوني بين الضيعات والأسواق، في مشهد يكشف بوضوح أن المستفيد الأكبر لم يكن الفلاح ولا المستهلك، بل شبكات الوساطة التي تضاعف الأرباح دون أي قيمة مضافة حقيقية.
لقد أصبح من الطبيعي أن يبيع الفلاح منتوجه بثمن بخس، ثم يصل إلى المواطن بأضعاف مضاعفة، وسط غياب شبه تام للرقابة وشفافية المعاملات.
فتقليص عدد الوسطاء ليس قرارًا تقنيًا بسيطًا، بل خطوة تمس شبكة مصالح ضخمة راكمت نفوذًا اقتصاديًا وماليًا داخل أسواق الجملة لعقود.
فالوسطاء لم يعودوا مجرد سماسرة تقليديين، بل تحول بعضهم إلى مراكز قوة تتحكم في التموين والأسعار وحتى في إيقاع السوق الوطني، مستفيدين من هشاشة القوانين وضعف المراقبة وتداخل المصالح.
ولهذا يطرح المتابعون سؤالًا جوهريًا: هل تمتلك الحكومة فعلًا الجرأة السياسية لمواجهة لوبيات المضاربة؟ أم أن المشروع سينتهي مثل عشرات الإصلاحات السابقة التي اصطدمت بجدار المصالح والامتيازات؟
صحيح أن الحديث عن الرقمنة وتتبع المعاملات خطوة إيجابية، لكن التجارب السابقة أظهرت أن المشكل في المغرب ليس دائمًا في غياب القوانين، بل في ضعف التطبيق وغياب المحاسبة.
فكم من نصوص قانونية وُضعت لمحاربة الاحتكار والفساد والتلاعب بالأسعار، قبل أن تتحول إلى مجرد شعارات جميلة تصطدم بالواقع اليومي؟
فإصلاح أسواق الجملة لن ينجح فقط بوضع شاشات رقمية أو تقليص الوسطاء نظريًا، بل يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية لتفكيك اقتصاد الريع والمضاربة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وفرض رقابة صارمة على مسالك التوزيع.
وبعد سنوات من الغلاء المتواصل، لم يعد المواطن المغربي ينتظر خطابات تقنية أو مشاريع قوانين براقة، بل يريد أثرًا مباشرًا على الأسعار داخل الأسواق.
يريد أن يفهم كيف تتحول الطماطم من بضعة دراهم عند الفلاح إلى أسعار مضاعفة عند البائع، ولماذا تبقى الأسماك بعيدة عن موائد الفقراء رغم أن المغرب يملك واحدة من أغنى الثروات البحرية في المنطقة.
لذلك، فإن مشروع القانون الجديد سيكون أمام اختبار حقيقي: إما أن يشكل بداية تفكيك منظومة المضاربة والاحتكار، أو يتحول بدوره إلى حلقة جديدة في مسلسل الإصلاحات المؤجلة التي لا تصل أبدًا إلى جيب المواطن.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد