الكنبوري: محاربة الفساد في المغرب ما تزال تخشى “الأسماك الكبيرة”

هبة زووم – الرباط
عاد الباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري لإثارة الجدل مجدداً، بعد تدوينة قوية ومشحونة بالرسائل السياسية، تناول فيها ما وصفه بـ”الانتقائية” في التعاطي مع ملفات الفساد بالمغرب، على خلفية التحركات الأخيرة التي تقودها بعض مؤسسات الدولة في ملفات تتعلق بالصفقات العمومية والتدبير الترابي.
الكنبوري، الذي اختار لغة مباشرة وحادة، اعتبر أن التحركات الجارية تعطي الانطباع بوجود حملة “أيدٍ نظيفة” جديدة، في ظل التحقيقات التي باشرتها مصالح وزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد والمالية في عدد من ملفات العمالات والأقاليم والصفقات العمومية، إلى جانب متابعات واعتقالات طالت بعض المتورطين في قضايا فساد.
غير أن الباحث لم يتوقف عند حدود الترحيب بهذه الخطوات، بل ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن الدولة كانت على علم مسبق بكثير من هذه الملفات، قائلاً إن دولة قادرة على تفكيك الخلايا الإرهابية وتتبعها بدقة، “يستحيل” ألا تكون تملك معطيات عن شبكات الفساد التي تنخر مؤسسات ومرافق مختلفة.
وفي أكثر المقاطع إثارة، لمح الكنبوري إلى وجود نوع من “الخط الأحمر” الذي يحمي ما سماهم بـ”الأسماك الغليظة”، معتبراً أن كبار المستفيدين من الصفقات والنفوذ يظلون بعيدين عن قبضة القانون، لأن الاقتراب منهم قد يفتح أبواباً محرجة تمس بنية السلطة والنفوذ نفسها.
ويرى متابعون أن تدوينة الكنبوري لامست واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل النقاش العمومي المغربي، وهي الشعور المتزايد لدى جزء من الرأي العام بأن حملات محاربة الفساد غالباً ما تستهدف “الحلقات الضعيفة”، بينما يظل كبار المستفيدين بمنأى عن أي مساءلة حقيقية.
كما أثار الباحث نقطة شديدة الحساسية حين اعتبر أن استهداف “الصغار” فقط يخلق إحساساً بالظلم ويفقد المجتمع الثقة في مبدأ المساواة أمام القانون، لأن الرسالة التي تصل إلى المواطن البسيط، بحسب تعبيره، هي أن البعض يملك حق الإثراء غير المشروع بينما يُعاقب آخرون فقط لأنهم لا يملكون الحماية أو النفوذ.
ولم يخف الكنبوري تشاؤمه من التحول الخطير الذي أصاب المجتمع، معتبراً أن غياب العدالة الصارمة في مواجهة الفساد أدى إلى انتشار “ثقافة الغش” على مختلف المستويات، حتى صار الفساد، وفق وصفه، أشبه بـ”حق طبيعي” يمارسه الجميع، من أعلى الهرم إلى أبسط المهن اليومية.
ويذهب مراقبون إلى أن خطورة هذا الطرح تكمن في كونه يربط بين الفساد وفقدان الثقة في المؤسسات، حيث يصبح السؤال السائد داخل المجتمع: “لماذا يُسمح للبعض بما يُمنع عن الآخرين؟”، وهي المعادلة التي تفرغ أي خطاب رسمي حول النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة من مضمونه الحقيقي.
وبين حملات التوقيف والمتابعات المتفرقة، وبين مطالب توسيع دائرة المحاسبة لتشمل “الكبار قبل الصغار”، يعود سؤال العدالة والشفافية إلى واجهة النقاش العمومي بقوة: هل دخل المغرب فعلاً مرحلة محاربة الفساد بلا انتقائية، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون إعادة ترتيب للهامش مع الإبقاء على مراكز النفوذ بعيدة عن المساءلة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد