هبة زووم – الرباط
أخيرا، وبعد أن بلغ لهيب أسعار الأضاحي مستويات غير مسبوقة وأصبح “الحولي” حلماً مؤجلاً لآلاف الأسر المغربية، استفاقت وزارة الداخلية على وقع الفوضى العارمة التي اجتاحت أسواق المواشي، في محاولة متأخرة لوضع حد لهيمنة “الشناقة” و”السبايبية” الذين حولوا عيد الأضحى من مناسبة دينية واجتماعية إلى موسم مفتوح للمضاربة والابتزاز واستنزاف جيوب المواطنين.
التحرك الجديد للإدارة الترابية جاء بعدما انفلتت الأسعار بشكل صادم، وسط اتهامات واسعة لشبكات السماسرة بالتحكم في السوق وخلق ندرة مصطنعة ورفع الأثمان بشكل جنوني، في وقت وقف فيه المواطن البسيط عاجزاً أمام واقع اقتصادي خانق لم يعد يحتمل المزيد من الضغوط.
وإذا كانت السلطات اليوم تتحدث عن تعليمات صارمة لمحاربة المضاربين، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين كانت هذه الصرامة منذ بداية الموسم؟ وكيف تُركت الأسواق لأسابيع طويلة تحت رحمة “الشناقة” دون مراقبة حقيقية، إلى أن تحولت الأضحية إلى كابوس اجتماعي يهدد فرحة العيد داخل آلاف البيوت المغربية؟
الإجراءات التي أعلنتها الحكومة، من قبيل حصر البيع داخل الأسواق المرخصة، وإجبار البائعين على التصريح بهوياتهم وعدد الأضاحي ومصدرها، ومنع إعادة البيع والمزايدات الوهمية، تبدو في ظاهرها محاولة لاستعادة السيطرة على سوق انفلت بالكامل، لكنها في العمق اعتراف ضمني بأن الفوضى بلغت مستويات خطيرة وأن شبكات المضاربة أصبحت أقوى من آليات المراقبة التقليدية.
فما وقع هذه السنة كشف بشكل فاضح هشاشة منظومة مراقبة أسواق المواشي، وعجز الجهات الوصية عن ضبط الوسطاء الذين لا ينتجون شيئاً ولا يتحملون أي تكاليف، لكنهم يحصدون أرباحاً خيالية فقط عبر التلاعب بالأسعار واستغلال حاجة المواطنين.
لقد تحولت بعض الأسواق إلى ما يشبه “بورصة سوداء” تتحكم فيها المضاربات والاتفاقات السرية والمزايدات المفتعلة، بينما وجد الكسابة الحقيقيون أنفسهم بدورهم ضحايا لهذه الفوضى، بعدما صار السماسرة يفرضون منطقهم على السوق ويحتكرون التحكم في حركة البيع والشراء.
الأخطر من ذلك أن عدداً من المواطنين باتوا يشعرون بأن الدولة تتحرك دائماً بعد انفجار الأزمة، لا قبلها، وكأن المطلوب هو تدبير الغضب الاجتماعي أكثر من معالجة جذور المشكل.
فالمغاربة لا يريدون حملات موسمية تنتهي بانتهاء العيد، بل يريدون إصلاحاً حقيقياً لسلاسل التوزيع، وضرباً فعلياً للوبيات المضاربة التي تتغذى على الأزمات والمناسبات الدينية.
ويرى متابعون أن ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة أضاحي، بل صورة مصغرة لاختلالات أعمق في الأسواق المغربية، حيث تغيب الشفافية وتضعف المراقبة، ويصبح المواطن الحلقة الأضعف بين جشع الوسطاء وصمت الجهات المكلفة بالحماية والمراقبة.
وفي انتظار أن تترجم هذه التعليمات إلى إجراءات ملموسة داخل الأسواق، يبقى الخوف قائماً من أن تتحول الحرب المعلنة على “الشناقة” إلى مجرد استعراض ظرفي لامتصاص غضب الشارع، بينما يواصل المضاربون البحث عن طرق جديدة لنهب ما تبقى من القدرة الشرائية للمغاربة.
تعليقات الزوار