قلعة السراغنة: عندما تزعج الحقيقة أصحاب المصالح وتصبح حرية الصحافة تحت ضغط “الهواتف”

هبة زووم – قلعة السراغنة
لم يعد خافياً أن بعض الجهات بمدينة قلعة السراغنة ما تزال تنظر إلى الصحافة المستقلة باعتبارها “إزعاجاً” يجب احتواؤه، لا سلطة رقابية من حقها نقل الوقائع وطرح الأسئلة المحرجة.
فكلما نشرت جريدة “هبة زووم” خبراً يتعلق بحادثة تهم الرأي العام المحلي، خصوصاً القضايا المرتبطة بالاعتداءات أو الفوضى أو اختلالات التدبير، تنطلق مباشرة موجة من الاتصالات والرسائل والوساطات، في محاولة واضحة للضغط على الخط التحريري وتوجيهه بما يخدم مصالح ضيقة.
المثير في الأمر أن هذه المحاولات لا تأتي دائماً في شكل تهديد مباشر، بل غالباً ما تُغلَّف بعبارات “الرجاء” و”التوضيح” و”تفادي الإحراج”، وكأن المطلوب من الصحافة أن تتحول إلى مكتب للعلاقات العامة، لا منبراً لنقل الحقيقة. غير أن الخطير في هذه الممارسات أنها تكشف عقليات ما تزال عاجزة عن استيعاب أن الإعلام المهني لا يشتغل بمنطق التعليمات ولا بمنطق “الهاتف”، بل بمنطق المعطيات والوقائع وحق المواطن في المعرفة.
إن بعض الأطراف بمدينة قلعة السراغنة يبدو أنها اعتادت لسنوات على بيئة صامتة، حيث تُطوى الملفات بعيداً عن النقاش العمومي، ويتم التعامل مع الأخبار بمنطق “دبر على راسك”، لكن ما تغير اليوم هو أن الصحافة الرقمية المستقلة أصبحت أكثر قدرة على كشف الوقائع، ونقل صوت المواطنين، وفتح النقاش حول قضايا كان يراد لها أن تبقى في الظل.
ولأن الحقيقة تزعج أحياناً، فإن أول رد فعل لدى البعض ليس تصحيح الاختلالات أو توضيح المعطيات، بل محاولة الضغط على الصحفي أو المؤسسة الإعلامية. وهنا يكمن جوهر الأزمة: البعض لا يريد صحافة تنقل الواقع، بل صحافة تزينه وتلمعه وتعيد صياغته وفق المقاس المطلوب.
إن استقلالية القرار التحريري ليست شعاراً للاستهلاك، بل هي جوهر العمل الصحفي الحقيقي. فالمنبر الإعلامي الذي يخضع للهواتف والضغوط يفقد مبرر وجوده، ويتحول إلى مجرد واجهة بلا مصداقية. لذلك فإن أي محاولة للتأثير على مضمون الأخبار أو تغيير الوقائع تحت أي ذريعة، تظل سلوكاً مرفوضاً أخلاقياً ومهنياً، مهما كانت الجهة التي تقف خلفه.
وفي المقابل، يبقى حق الرد والتوضيح حقاً مكفولاً قانونياً وأخلاقياً، وهو ما تلتزم به كل مؤسسة إعلامية تحترم نفسها. لكن هناك فرقاً شاسعاً بين ممارسة حق الرد، وبين محاولة إخضاع الصحافة لمنطق المجاملة أو التخويف أو الضغط غير المباشر.
ما يقع اليوم في قلعة السراغنة ليس مجرد خلاف عابر بين صحافة وبعض الأطراف المحلية، بل هو اختبار حقيقي لمدى احترام حرية التعبير واستقلالية الإعلام. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع، ليس وجود صحافة مزعجة، بل وجود صحافة خائفة.
وإذا كانت بعض الجهات تنزعج من نشر الوقائع، فالحل لا يكون بإسكات القلم، بل بمعالجة الأسباب التي تجعل تلك الوقائع مادة للرأي العام أساساً، فالحقيقة لا تُمحى بالاتصالات، والمهنية لا تُقاس بحجم الرضا الذي تمنحه الأخبار لهذا الطرف أو ذاك.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد