فوزي لقجع و”التمويلات المبتكرة” إنقاذ للاقتصاد أم بيع مقنّع للأصول؟

هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي تُرفع فيه شعارات “الدولة الاجتماعية” و”النموذج التنموي الجديد”، يزداد الجدل بالمغرب حول طبيعة الأولويات التي تحكم تدبير المال العام، وسط تصاعد الانتقادات الموجهة للسياسات المالية التي يقودها الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، والتي يعتبرها منتقدون أقرب إلى منطق “التدبير المقاولاتي” منها إلى رؤية اجتماعية متوازنة تستجيب لانتظارات المواطنين.
ففي السنوات الأخيرة، اختارت الحكومة الترويج لما تسميه “التمويلات المبتكرة”، باعتبارها مدخلاً عصرياً لتعبئة الموارد المالية وتجاوز الإكراهات المرتبطة بالعجز والتمويل، غير أن هذا التوجه بات يثير الكثير من علامات الاستفهام، خصوصاً مع تنامي الإحساس بأن كلفة هذه الاختيارات تُدفع اجتماعياً من طرف الطبقات المتوسطة والفقيرة.
ويرى متابعون أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في البحث عن موارد جديدة، بل في طبيعة الاختيارات التي تحدد أين تُصرف الأموال وكيف تُرتب الأولويات.
فمن غير المفهوم، بحسب منتقدين، أن تُخصص مليارات الدراهم لتشييد ملاعب ضخمة وتجهيز بنى رياضية عالمية، بينما لا تزال مستشفيات عمومية تعاني من نقص حاد في الأطر والتجهيزات، وتستمر مدارس قروية في تقديم تعليم هش داخل فضاءات تفتقر لأبسط شروط الكرامة.
هذا التناقض الصارخ بين “مغرب الملاعب” و”مغرب الهشاشة” أعاد إلى الواجهة النقاش حول العدالة المجالية والاجتماعية، وحول ما إذا كانت السياسة المالية الحالية تعكس فعلاً حاجيات المغاربة اليومية، أم أنها أصبحت رهينة منطق الأرقام والصورة والتوازنات المحاسباتية الضيقة.
كما تتصاعد الانتقادات لما يعتبره البعض توجهاً نحو تفويت أصول الدولة والرفع المتواصل للضغط الجبائي، بدل الانكباب على إصلاح جبائي عادل يوسع قاعدة المساهمين ويحارب اقتصاد الريع والتهرب الضريبي. ويعتبر منتقدو هذه السياسات أن الدولة اختارت “الحلول السهلة” لسد الخصاص المالي، دون معالجة الأعطاب البنيوية التي تعيق التنمية الحقيقية.
وفي هذا السياق، يبرز دور جزء من الإعلام الذي يصفه منتقدون بـ”صحافة التطبيل” أو “صحافة النخاسة”، حيث يتم – وفق هذا الطرح – تسويق المشاريع الكبرى والإنجازات الشكلية، مع تغييب النقاش الحقيقي حول أثر السياسات العمومية على معيش المواطنين، وحول غياب المحاسبة وربط المسؤولية بالمراقبة الفعلية.
ويؤكد متابعون أن غياب ثقافة المساءلة لا يبدأ من الموظف الصغير، بل من قمة هرم القرار، حيث تصبح الأخطاء المتكررة بلا محاسبة، وتتحول بعض الاختيارات الكبرى إلى “مقدسات” لا يجوز مساءلتها إعلامياً أو سياسياً، رغم انعكاساتها المباشرة على القدرة الشرائية والسيادة الاقتصادية.
وفي مقابل الملاعب الحديثة والطرق المؤدية إلى المركبات الرياضية، يطرح الشارع المغربي أسئلة أكثر بساطة وواقعية: أين المستشفيات القادرة على استقبال المرضى بكرامة؟ أين المدارس التي تضمن تكافؤ الفرص؟ أين فرص الشغل التي تحفظ كرامة الشباب؟ وأين العدالة الاجتماعية التي تجعل المواطن يشعر أن ثروات بلده تنعكس فعلاً على حياته اليومية؟
اليوم، يبدو أن جزءاً مهماً من المغاربة لم يعد يطالب بخطابات الإنجاز بقدر ما ينتظر سياسات عمومية تعيد التوازن بين الاستثمار في الصورة والاستثمار في الإنسان، لأن بناء الدول لا يقاس فقط بعدد الملاعب والمنشآت الكبرى، بل بمدى قدرة المواطن على العيش بكرامة داخل وطن يشعر فيه أن التنمية تشمل الجميع، لا أن تبقى حكراً على واجهات براقة تخفي خلفها اتساع فجوة اجتماعية مقلقة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد