هبة زووم – الرباط
عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي ليفتح واحدا من أكثر الملفات الاجتماعية حساسية في المغرب، من بوابة عيد الأضحى وما يرافقه من ضغوط نفسية واجتماعية خانقة على الأسر الفقيرة والمتوسطة، منتقدا بشدة ما وصفه بمحاولات تبسيط معاناة المغاربة عبر خطابات وعظية تكتفي بترديد أن “الأضحية سنة مؤكدة ومن لا استطاعة له فلا حرج عليه”.
وفي تدوينة حملت الكثير من المرارة والغضب، اعتبر اليحياوي أن هذا الخطاب، رغم صحته الفقهية، يتحول في الواقع المغربي إلى نوع من “التبرئة المجانية” للحكومة ولوبيات المضاربة في المواشي من مسؤولية حرمان ملايين الأسر من فرحة العيد، في ظل الأسعار الملتهبة وجشع ما سماهم بـ”فراقشية الأغنام”.
وأوضح الباحث أن عيد الأضحى في المغرب ليس مجرد شعيرة دينية عابرة، بل مناسبة ذات حمولة رمزية وثقافية واجتماعية عميقة، تكاد تلامس في وجدان المغاربة حدود “القداسة الاجتماعية”، لذلك فإن الحديث البارد عن سقوط الأضحية عند العجز المادي لا يراعي حجم الألم النفسي الذي يعيشه رب الأسرة حين يعجز عن مجاراة محيطه الاجتماعي.
وسخر اليحياوي من بعض الخطباء والوعاظ الذين يحاولون التقليل من أهمية طقوس العيد لدى الأسر البسيطة عبر عبارات من قبيل: “واش اللي ماكلاش بولفاف غادي يموت؟”، معتبرا أن الإنسان قد لا يموت جوعا فعلا، لكنه “يموت من حسرته” حين يشعر بالعجز والانكسار أمام أطفاله وأسرته ومحيطه الاجتماعي.
التدوينة لم تتوقف عند البعد الديني أو النفسي، بل تحولت إلى تشريح سياسي واجتماعي حاد لما يعتبره الباحث نتيجة مباشرة لسياسات عمومية فاشلة سمحت بتحول سوق الأضاحي إلى مجال مفتوح للاحتكار والمضاربة والريع، حيث أصبحت فئة محدودة تتحكم في الأسعار وفي مصير ملايين المغاربة مع كل موسم عيد.
ويرى اليحياوي أن الحكومة تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية، ليس فقط بسبب عجزها عن ضبط السوق، بل أيضا لأنها تواصل، بحسب تعبيره، حماية “الفراقشية” وتركهم يراكمون الأرباح على حساب القدرة الشرائية للمواطنين، بينما يتم تحميل الفقير وحده مسؤولية “عدم الاستطاعة”.
وفي سياق نقده اللاذع، اعتبر أن تحويل خطاب “لا حرج عليكم” إلى شماعة لتبرير العجز الرسمي عن حماية القدرة الشرائية، يمثل نوعا من “المزايدة الأخلاقية” على الفقراء، بدل الاعتراف بأن جزءا كبيرا من المغاربة لم يعودوا عاجزين بسبب الكسل أو سوء التدبير، بل بسبب واقع اقتصادي خانق أنتجته سنوات من الغلاء وتضارب المصالح وغياب العدالة الاجتماعية.
وتعكس تدوينة اليحياوي، التي أثارت تفاعلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، حجم الاحتقان المتزايد داخل المجتمع المغربي بسبب التفاوتات الاجتماعية المتفاقمة، خصوصا في المناسبات الدينية التي تتحول فيها معاناة الفئات الهشة إلى جرح مفتوح يكشف هشاشة السياسات الاجتماعية وعجزها عن حماية الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
وبين خطاب فقهي يخفف الحرج دينيا، وواقع اقتصادي يضاعف الحرج اجتماعيا، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف تحولت شعيرة دينية مرتبطة بالتكافل والفرح الجماعي إلى مصدر قلق وحسرة لدى فئات واسعة من المغاربة؟
تعليقات الزوار