الفيزازي في مواجهة القضاء بعد اتهامه بالإساءة لمشاركات “أسطول الصمود”

هبة زووم – الرباط
عادت حدود حرية التعبير على مواقع التواصل الاجتماعي إلى واجهة النقاش العمومي بالمغرب، بعد قرار أسرة الطبيبة المغربية شيماء الدرازي اللجوء إلى القضاء ضد محمد الفيزازي، على خلفية تدوينة وُصفت بأنها “مسيئة ومهينة” في حق المشاركات ضمن المبادرة الإنسانية الدولية “أسطول الصمود”.
القضية، التي تحولت بسرعة إلى مادة للنقاش الحقوقي والإعلامي، لا تتعلق فقط بخلاف شخصي أو بسجال افتراضي عابر، بل تطرح أسئلة أعمق حول الانفلات الأخلاقي داخل الفضاء الرقمي، وحدود النقد المشروع، والفارق بين إبداء الرأي وبين التحريض والتشهير والمس بكرامة الأشخاص.
ما يثير القلق في هذه الواقعة ليس فقط مضمون التدوينة المتداولة، بل طبيعة المناخ الرقمي الذي أصبح يسمح بإطلاق الاتهامات والأحكام الأخلاقية بشكل مجاني، دون دليل أو مسؤولية أو احترام للحياة الخاصة والكرامة الإنسانية.
لقد تحولت بعض منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاءات للفوضى الرمزية، حيث يُنصّب البعض أنفسهم قضاة ومفتين وأوصياء على النوايا والسلوكيات، في غياب أي وازع قانوني أو أخلاقي. والأخطر أن هذا النوع من الخطاب لا يكتفي بالنقد، بل يسعى أحيانًا إلى التشهير والتحريض وضرب السمعة الشخصية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالنساء.
في حالة الطبيبة شيماء الدرازي، فإن الاستهداف لم يأتِ بسبب خطأ مهني أو قضية قانونية، بل بسبب مشاركتها في مبادرة إنسانية ذات طابع تضامني دولي، وهو ما جعل كثيرين يعتبرون أن ما وقع يتجاوز حدود الاختلاف الفكري أو الديني، ويدخل في خانة الإساءة المباشرة والتشهير العلني.
قرار الأسرة اللجوء إلى القضاء يحمل رسالة واضحة: مواجهة حملات التشهير يجب ألا تبقى رهينة “الردود الفيسبوكية” أو حملات التضامن الموسمية، بل ينبغي أن تمر عبر المؤسسات والقانون.
فالدولة التي تحمي حرية التعبير، مطالبة أيضًا بحماية كرامة الأفراد من الاغتيال المعنوي والتشهير الرقمي، خصوصًا في زمن أصبحت فيه التدوينة الواحدة قادرة على تدمير السمعة والحياة المهنية والاجتماعية لأي شخص خلال ساعات.
كما أن هذه القضية تعكس تحولًا مهمًا في وعي المجتمع، حيث لم يعد كثير من المواطنين يقبلون بتحويل الدين أو الأخلاق أو “الرأي الشخصي” إلى غطاء للإساءة والتحريض والإدانة المجانية.
الواقع أن جزءًا من الأزمة اليوم لا يرتبط فقط بالقانون، بل بانحدار مستوى الخطاب العمومي نفسه. فبدل النقاش الرصين، أصبح البعض يراكم المتابعين عبر الإثارة والتجريح وصناعة “البوز”، ولو على حساب كرامة الناس.
والأخطر أن هذا النوع من الخطاب يخلق مناخًا من الكراهية والعدوانية، ويُشجع على التطبيع مع التشهير والتنمر الرقمي، إلى درجة أصبح معها المس بالحياة الخاصة والكرامة الإنسانية أمرًا عاديًا في أعين البعض.
قضية شيماء الدرازي ليست مجرد ملف قضائي عابر، بل اختبار حقيقي لقدرة المجتمع على التمييز بين حرية التعبير والفوضى، وبين النقد المسؤول والإساءة المجانية.
كما أنها تضع الفضاء الرقمي المغربي أمام سؤال حاسم: هل نريد منصات للنقاش والتعبير الحر؟ أم ساحات مفتوحة للتشهير والتحريض وتصفية الحسابات الأخلاقية والشخصية؟
الأكيد أن المعركة اليوم لم تعد فقط قانونية، بل معركة وعي أيضًا… لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع، ليس اختلاف الآراء، بل سقوط قيمة الكرامة الإنسانية تحت ضغط الشعبوية الرقمية وخطابات التشهير.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد