برشيد بين الأمس واليوم.. كيف تحولت المدينة إلى عنوان للفوضى في عهد العامل السابق أوعبو؟

هبة زووم – أحمد الفيلالي
هناك مدن تصنعها الجغرافيا، ومدن تصنعها الإرادة السياسية وحسن التدبير، ومدن أخرى تضيع بينهما بسبب غياب الرؤية وتراكم الأخطاء. ولعل مدينة برشيد تمثل اليوم نموذجا صارخا لمدينة امتلكت من المؤهلات ما كان يؤهلها لتكون قطبا تنمويا بارزا بجهة الدار البيضاء سطات، لكنها وجدت نفسها لسنوات رهينة اختيارات تدبيرية لم ترتق إلى مستوى انتظارات الساكنة ولا إلى حجم الإمكانيات المتاحة.
فبرشيد لم تكن تفتقر إلى الموقع الاستراتيجي، ولا إلى القرب من العاصمة الاقتصادية، ولا إلى المؤهلات العقارية والفلاحية والبشرية القادرة على صناعة الفارق، لكنها افتقرت، بحسب كثير من المتابعين، إلى رؤية تنموية متكاملة تضع الإنسان والمجال في صلب الأولويات، بدل الاكتفاء بتدبير يومي للأزمات ومراكمة الاختلالات.
ولطالما برر بعض المسؤولين تعثر التنمية بضعف الإمكانيات المالية أو محدودية الاستثمارات، غير أن التجارب الناجحة داخل المغرب وخارجه أثبتت أن التنمية ليست دائما رهينة بحجم الميزانيات، بل ترتبط أساسا بجودة الحكامة وحسن توظيف الموارد المتاحة والقدرة على استشراف المستقبل.
وفي هذا السياق، يوجه عدد من الفاعلين المحليين انتقادات حادة للمرحلة التي قاد فيها العامل السابق أوعبو شؤون الإقليم، معتبرين أنها شكلت واحدة من أكثر الفترات إثارة للجدل في تاريخ برشيد الحديث، بسبب ما شهدته من اختلالات عمرانية وتراجع في جودة الفضاءات العمومية وتعثر عدد من الأوراش التي كانت الساكنة تعول عليها لإحداث نقلة نوعية بالمدينة.
ويؤكد منتقدو تلك المرحلة أن برشيد فقدت جزءا كبيرا من هويتها العمرانية والبيئية، حيث تراجعت المساحات الخضراء وتزايدت مظاهر التوسع العمراني غير المتوازن، في مقابل غياب مشاريع كفيلة بتحسين جودة الحياة وتوفير فضاءات ثقافية ورياضية وترفيهية تستجيب لحاجيات الساكنة المتزايدة.
كما أن وضعية البنية التحتية ما تزال إلى اليوم شاهدة على سنوات من التدبير الذي لم ينجح في مواكبة النمو الديمغرافي والعمراني للمدينة. فالحفر التي تنتشر في عدد من الشوارع، وضعف الإنارة العمومية في بعض الأحياء، وتدهور عدد من المرافق الجماعية، كلها مؤشرات يستحضرها المواطنون كلما طُرح النقاش حول حصيلة المرحلة السابقة.
ولا يقف الأمر عند المجال الحضري فقط، بل يمتد إلى المنطقة الصناعية التي كان من المفترض أن تشكل قاطرة للتنمية وخلق فرص الشغل، غير أنها ظلت تعاني من عدة إكراهات حالت دون استثمار كامل مؤهلاتها الاقتصادية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على فرص التشغيل وعلى جاذبية الإقليم للاستثمارات المنتجة.
لقد تحولت برشيد، في نظر عدد من أبنائها، إلى مدينة فقدت جزءا من بريقها ومن قدرتها على استثمار مؤهلاتها الطبيعية والمجالية، بعدما كان من الممكن أن تصبح وجهة للعيش والاستقرار والاستثمار، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي وقربها من كبريات المراكز الاقتصادية بالمملكة.
واليوم، وبينما تحاول المدينة فتح صفحة جديدة من تاريخها التنموي، يظل تقييم حصيلة الماضي ضرورة لا مفر منها، ليس من باب تصفية الحسابات، وإنما من أجل استخلاص الدروس وتحديد المسؤوليات وتفادي تكرار الأخطاء نفسها.
فالتاريخ المحلي لا يُكتب فقط بالمشاريع التي أُنجزت، بل أيضا بالفرص التي أُهدرت، وبالأحلام التي تأجلت، وبالمسؤولين الذين مروا من مواقع القرار وتركوا وراءهم إما إرثا من الإنجازات أو سجلا مثقلا بعلامات الاستفهام.
ويبقى السؤال الذي يردده كثير من أبناء أولاد حريز اليوم: كيف يمكن لمدينة تمتلك كل هذه المؤهلات أن تتأخر بهذا الشكل؟ ومن يتحمل مسؤولية السنوات التي ضاعت فيها فرص التنمية؟ وهي أسئلة لن تجد جوابها الحقيقي إلا من خلال تقييم موضوعي للحصيلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتحول أخطاء الماضي إلى قدر دائم يطارد مستقبل برشيد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد