الرشيدية: 250 مليون سنتيم من اشتراكات CNSS مختفية وسيدي عمي يحرم موظفي دار الطالب من التغطية الصحية

هبة زووم – محمد خطاري
في ضرب صارخ للتوجيهات الملكية السامية التي تؤكد على حماية الفئات الهشة وضمان كرامة العاملين في المرافق العمومية، تفجرت فضيحة إدارية ومالية خطيرة بدار الطالب التابعة لإقليم الرشيدية، حيث يتهم رئيس المؤسسة مولاي الزهيد سيدي عمي بعدم أداء اشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) منذ سنوات، مما حرم الموظفين من حقهم الأساسي في التغطية الصحية والعلاجات المضمونة قانوناً.
وحسب مصادر موثوقة، فإن قيمة الاشتراكات غير المؤداة تصل إلى 250 مليون سنتيم (2.5 مليون درهم)، وهو مبلغ ضخم يطرح أسئلة محرجة حول مآل مداخيل دار الطالب، وطبيعة التدبير المالي للمرفق، والجهات التي تستفيد من هذا “الهدر المنظم” للمال العام.
فالموظفون الذين يُفترض أن يكونوا تحت حماية المؤسسة التي يعملون بها، وجدوا أنفسهم فجأة بدون تأمين صحي، وبدون قدرة على ولوج العلاجات، وبدون أي ضمان للمستقبل، في انتهاك صارخ للقانون ولكرامة الإنسان.
ولا تقتصر خطورة هذه الفضيحة على الجانب المالي فحسب، بل تمتد إلى البعد الإنساني والاجتماعي، حيث يُحرم موظفو دار الطالب، الذين يُفترض أن يكونوا نموذجاً للعناية بالشباب والفئات الهشة، من أبسط حقوقهم في الرعاية الصحية.
فكيف يمكن لمؤسسة تُعنى بحماية الطالب ورعايته أن تُهمل حقوق من يشتغلون على تحقيق هذه الرسالة؟ وأي “تدبير” هذا الذي يُحوّل المرفق العمومي من أداة للحماية إلى مصدر للظلم؟
ويُطرح سؤال جوهري حول مسؤولية الجهات الرقابية: أين كانت المصالح المختصة بوزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة؟ وأين كانت مفتشية الشغل والمصالح الجهوية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عن هذا الخرق الفادح الذي استمر لسنوات؟
فاستمرار مثل هذه الممارسات دون رقابة فعالة يُرسل رسالة خطيرة مفادها أن “الإفلات من العقاب” أصبح قاعدة، وأن المال العام أصبح “غنيمة” يُتصرف فيها بحرية.
كما أن هذه الفضيحة تُعيد طرح إشكالية حوكمة المرافق الاجتماعية بالمغرب، وخاصة تلك الموجهة للفئات الهشة، فدار الطالب ليست مجرد “مبنى يُؤوى إليه الطلاب”، بل هي مؤسسة عمومية تُدار بأموال دافعي الضرائب، وتُوظف موظفين يتمتعون بحقوق قانونية لا تسقط بالتقادم. وعندما يُهمل رئيس مؤسسة مثل هذه الحقوق، فإنه لا يُخالف القانون فحسب، بل يُضعف ثقة المواطن في قدرة الدولة على حماية حقوقه.
وتطالب فعاليات مدنية بفتح تحقيق عاجل وشامل في ملف دار الطالب، يشمل مراجعة جميع الحسابات المالية للمؤسسة خلال السنوات الأخيرة، وتحديد المسؤوليات في عدم أداء اشتراكات CNSS، واسترداد المبالغ المتأخرة مع الغرامات القانونية، واتخاذ الإجراءات التأديبية في حق كل من ثبت تورطه في هذا الإهمال، كما يجب ضمان تعويض الموظفين المتضررين عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بهم جراء حرمانهم من التغطية الصحية.
وفي ظل هذه المعطيات، يُنتظر من السلطات الإقليمية بالرشيدية والوزارة الوصية التحرك السريع لاحتواء هذه الفضيحة، وإعادة الحقوق لأصحابها، وضمان شفافية التدبير المالي لدار الطالب مستقبلاً، فالمواطنون لم يعودوا يقبلون بأن تُهدر أموالهم وتُنتهك حقوق العاملين تحت غطاء “الصمت الإداري” أو “التستر المؤسسي”.
خلاصة الأمر: دار الطالب بالرشيدية ليست مجرد “حالة فردية”، بل هي نموذج صارخ لما يمكن أن يحدث عندما يغيب الرقابة، وتضعف المساءلة، ويُقدّم المصالح الضيقة على الحقوق المشروعة، فإما محاسبة شجاعة تُعيد الاعتبار للمرفق العمومي وحقوق العاملين، وإما استمرار في “ثقافة الإفلات” التي تُهدد ليس فقط أموال دافعي الضرائب، بل كرامة كل موظف وموظفة في المغرب.
الحقيقة مُرّة، لكن تجاهلها أخطر، والموظفون ينتظرون، فإما عدالة تُنقذ الحقوق، وإما استمرار في “اللامبالاة” التي تُحوّل المرافق العمومية إلى “مزارع خاصة” تُستغل فيها الأموال وتُهدر فيها الكرامات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد