من الجبل إلى الواحة… هل تسمع درعة تافيلالت صوت مواطنيها؟

هبة زووم – الرشيدية
حين تتشابه الاحتجاجات في أمكنة متباعدة، وتتعالى الأصوات بالمطالب نفسها، فإن الأمر لم يعد يتعلق بحدث عابر أو أزمة محلية، بل بمؤشر يستحق الوقوف عنده بجدية. هذا ما يبدو اليوم في جهة درعة تافيلالت، حيث تتردد المطالب نفسها من الجبل في إملشيل، إلى سفوح أغبالو أنكردوس، وصولًا إلى واحات مرزوكة وغريس وغيرها من المناطق.
ورغم اختلاف التضاريس والخصوصيات الاجتماعية، فإن الرسالة التي يبعث بها المواطنون تكاد تكون واحدة: الحق في الصحة، والحق في تعليم جيد، والحق في سكن لائق عبر مساطر واضحة ومنصفة للحصول على رخص البناء، والحق في تدبير عادل وشفاف للنزاعات المرتبطة بالأراضي السلالية.
إن تكرار هذه المطالب في أكثر من إقليم وأكثر من جماعة يطرح تساؤلًا مشروعًا: هل نحن أمام مشاكل محلية متفرقة، أم أمام اختلالات هيكلية تمس تدبير التنمية والحكامة على مستوى الجهة؟
لقد ظلت درعة تافيلالت، رغم ما تزخر به من مؤهلات طبيعية وسياحية وثقافية، تعاني تفاوتات مجالية واضحة بين المراكز والهوامش. ولا تزال العديد من الدواوير تعيش صعوبات في الولوج إلى الخدمات الأساسية، الأمر الذي يغذي الشعور بالإقصاء ويجعل الاحتجاج وسيلة للتعبير عن مطالب يعتبرها المواطنون مشروعة.
ومن أكثر الملفات حساسية ملف الأراضي السلالية، الذي يقتضي تدبيرًا يتسم بالشفافية، واحترام القانون، والإنصات لذوي الحقوق، والحرص على تفادي كل ما من شأنه أن يفاقم النزاعات أو يهدد السلم الاجتماعي. كما أن ملف رخص البناء يستوجب، هو الآخر، مراجعة المساطر بما يراعي خصوصية العالم القروي، ويوازن بين احترام القوانين ومتطلبات العيش الكريم.
ولا يمكن لأي جهة أن تحقق تنمية حقيقية إذا بقي المواطن يشعر بأن صوته لا يُسمع إلا عندما يحتج. فالتنمية ليست مجرد مشاريع وأرقام، بل هي قبل كل شيء ثقة متبادلة بين الدولة والمواطن، وإدارة قريبة من انشغالات الناس، ومؤسسات قادرة على الاستجابة السريعة والعادلة للمطالب المشروعة.
ومن هنا، فإن توالي الاحتجاجات في مناطق مختلفة من الجهة يستدعي مقاربة مؤسساتية شاملة، تقوم على التشخيص الدقيق للأوضاع، والوقوف على أسباب الاحتقان، والاستماع إلى مختلف الأطراف، وتقييم مدى نجاعة السياسات العمومية والبرامج التنموية المنجزة.
إن فتح تحقيق إداري ومؤسساتي في أوضاع جهة درعة تافيلالت، ولا سيما في الدواوير والمناطق الجبلية والواحات، قد يسهم في تحديد مكامن الخلل، وتقييم أداء مختلف المتدخلين، والكشف عن أسباب تعثر بعض الملفات، بما فيها تلك المرتبطة بالخدمات الأساسية أو بتدبير الأراضي السلالية أو بمساطر البناء، وذلك في إطار احترام القانون وضمان حقوق جميع الأطراف. كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة، متى ثبت وجود تقصير أو إخلال، يظل أحد المبادئ الدستورية التي تعزز الثقة في المؤسسات.
لقد آن الأوان لأن تُقرأ هذه الاحتجاجات بوصفها فرصة للمراجعة والإصلاح، لا مجرد أحداث ظرفية. فالاحتجاجات قد تختلف في المكان، لكنها حين تتشابه في مضمونها، فإنها تستحق أن تُقابل بحوار جاد، وسياسات أكثر قربًا من الواقع، وإرادة حقيقية لمعالجة جذور المشكلات.
فمن الجبل إلى السفح، ومن السفح إلى الواحة، يبدو أن الرسالة واحدة: تنمية عادلة، وخدمات عمومية ذات جودة، وحكامة مسؤولة، وعدالة مجالية تجعل المواطن، أينما كان داخل الجهة، يشعر بأنه شريك في التنمية، لا مجرد متفرج عليها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد