هبة زووم – محمد أمين
مع كل اقتراب لموسم الاصطياف، تعود السعيدية إلى واجهة المشهد التنموي من خلال زيارات ميدانية متكررة للمسؤولين وإعلانات متتالية عن مشاريع جديدة يفترض أنها ستعزز جاذبية المدينة وترفع من جودة خدماتها السياحية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح وسط الساكنة والمتابعين للشأن المحلي يبقى هو نفسه: ماذا تحقق فعلياً على أرض الواقع؟ وما حجم الأثر الذي تركته المشاريع السابقة على الحياة اليومية للمواطنين؟
الزيارة الأخيرة التي قام بها عامل إقليم بركان حميد شنوري إلى عدد من الأوراش المفتوحة بالسعيدية أعادت تسليط الضوء على مشاريع متنوعة تشمل فضاء مهن الشاطئ وغابة تزكارات والشاطئ الإيكولوجي ومركب “زفير” الموجه لأسرة التعليم. وهي مشاريع تقدم باعتبارها جزءاً من رؤية تروم تعزيز الجاذبية السياحية للمدينة وتحسين ظروف الاستقبال خلال الموسم الصيفي.
لكن خلف هذه الصورة الرسمية، تبرز تساؤلات لا تقل أهمية عن المشاريع نفسها. فالسعيدية التي استهلكت خلال السنوات الماضية عشرات المشاريع والبرامج التنموية ما تزال تعاني من اختلالات بنيوية مرتبطة أساساً بهشاشة فرص الشغل خارج الموسم الصيفي، وضعف الاستثمار المنتج القادر على خلق اقتصاد محلي مستدام، إضافة إلى استمرار شكاوى المواطنين بشأن عدد من الخدمات الأساسية والمرافق العمومية.
لقد تحولت المدينة خلال السنوات الأخيرة إلى نموذج لتنمية موسمية ترتفع خلالها المؤشرات خلال أشهر الصيف، قبل أن تعود إلى حالة من الركود بمجرد انتهاء الموسم، وهو واقع جعل الكثير من أبناء المنطقة يتساءلون عن الجدوى الحقيقية لمشاريع تركز على الجانب التجميلي أكثر مما تركز على معالجة الأعطاب الاقتصادية والاجتماعية العميقة.
صحيح أن تهيئة الفضاءات السياحية وتحسين جمالية المدينة أمر مطلوب، لكن التنمية لا تقاس بعدد الأكشاك أو المظلات الشمسية أو المساحات الخضراء المحدثة، بل بمدى قدرة هذه المشاريع على خلق الثروة وفرص الشغل وتحسين مستوى عيش السكان. فالمواطن لا يبحث فقط عن مدينة جميلة في الصيف، بل عن مدينة توفر له عملاً مستقراً وخدمات ذات جودة طيلة السنة.
كما أن التجارب السابقة أظهرت أن أكبر تحد يواجه المشاريع العمومية لا يكمن في الإعلان عنها أو تدشينها، بل في حسن تدبيرها بعد الإنجاز. فكثير من المشاريع التي أطلقت في مراحل سابقة فقدت جزءاً من فعاليتها بسبب غياب الصيانة أو ضعف التتبع أو سوء الاستغلال، وهو ما يجعل الحديث عن مشاريع جديدة مرتبطاً بالضرورة بطرح سؤال الحكامة ونجاعة التدبير.
ويبدو أن الرهان الحقيقي أمام المسؤولين اليوم ليس فقط إنجاح موسم صيفي جديد، بل إقناع الساكنة بأن السعيدية دخلت فعلاً مرحلة تنموية مختلفة قادرة على تجاوز منطق الموسمية. فمدينة تملك مؤهلات طبيعية وسياحية استثنائية يفترض أن تتحول إلى قطب اقتصادي حقيقي يخلق فرصاً للشباب ويستقطب الاستثمار ويعزز التنمية المحلية بشكل مستدام.
أما الاكتفاء بتكرار الزيارات الميدانية وإعادة تقديم المشاريع نفسها كل موسم، فلن يكون كافياً لإقناع المواطنين الذين أصبحوا يقيسون النجاح بلغة النتائج لا بلغة الوعود.
فالتنمية الحقيقية لا تظهر في البلاغات الرسمية ولا في الصور التذكارية للمسؤولين، بل في جيب المواطن، وفي فرص الشغل التي يحصل عليها، وفي الخدمات التي يستفيد منها، وفي جودة الحياة التي يعيشها يومياً.
لهذا، فإن حصيلة الأوراش التي تتفقد اليوم بالسعيدية لن تقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة ولا بحجم الاعتمادات المالية المرصودة، وإنما بمدى قدرتها على إحداث تحول اقتصادي واجتماعي ملموس يشعر به سكان المدينة قبل زوارها. وهو الامتحان الحقيقي الذي ينتظر مختلف المتدخلين خلال السنوات المقبلة.
تعليقات الزوار