هبة زووم – السعيدية
لم يكن حجز وإتلاف نحو 50 كيلوغراماً من لحوم الدواجن المشكوك في مصدرها بمدينة السعيدية مجرد عملية مراقبة عادية تدخل في إطار الروتين الإداري اليومي، بل كشف من جديد عن جانب مقلق من واقع السلامة الغذائية بالمغرب، وأعاد إلى الواجهة أسئلة محرجة حول حجم المواد الغذائية التي تتسلل إلى الأسواق بعيداً عن أعين المراقبة، وحول قدرة الأجهزة المعنية على حماية المستهلك من شبكات الاتجار في منتجات قد تشكل خطراً حقيقياً على الصحة العامة.
فالعملية التي انتهت بحجز الكمية وإتلافها بعد التأكد من وجود شبهات تحيط بمصدرها وظروف نقلها، تطرح في العمق سؤالاً أكثر أهمية من الكمية المحجوزة نفسها: كيف وصلت هذه اللحوم إلى مرحلة التوزيع والتنقل بين المدن قبل أن يتم اكتشافها؟ وهل يتعلق الأمر بحالة معزولة أم بجزء من نشاط أوسع يعتمد على تسويق منتجات غذائية خارج المسالك القانونية والرقابية؟
وتزداد خطورة الواقعة عندما يتعلق الأمر بلحوم الدواجن، باعتبارها من المواد الأكثر حساسية من الناحية الصحية، والتي تتطلب احترام شروط دقيقة في الذبح والنقل والتبريد والتخزين، فأي إخلال بهذه الضوابط قد يحولها من مادة غذائية أساسية إلى مصدر محتمل للتسممات والأمراض التي قد تهدد صحة المستهلكين.
وإذا كانت السلطات قد نجحت هذه المرة في اعتراض الشحنة قبل وصولها إلى وجهتها المحتملة، فإن الواقعة تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول فعالية منظومة المراقبة الاستباقية.
فالكميات التي يتم حجزها بين الفينة والأخرى لا تعكس بالضرورة حجم الظاهرة الحقيقي، بل قد تكون مجرد جزء يسير من تجارة خفية تنشط في مناطق متعددة مستفيدة من ضعف المراقبة أو محدودية الإمكانيات البشرية واللوجستيكية.
ويرى متابعون أن أخطر ما في مثل هذه الملفات ليس فقط وجود منتجات مجهولة المصدر، بل أيضاً وجود مستهلكين قد يكونون عرضة لاقتنائها دون أي علم بظروف إنتاجها أو نقلها أو مدى صلاحيتها للاستهلاك.
فالمواطن البسيط الذي يقصد السوق بحثاً عن منتج أقل سعراً لا يملك في كثير من الأحيان الوسائل التي تمكنه من التحقق من مصدر ما يشتريه، وهو ما يجعل مسؤولية الرقابة العمومية أكثر إلحاحاً وأهمية.
كما أن تكرار عمليات الحجز في عدد من المدن المغربية خلال السنوات الأخيرة يكشف أن الإشكال لا يرتبط بأشخاص معزولين فقط، بل بوجود شبكات ومسالك توزيع موازية تستهدف الربح السريع ولو على حساب صحة المواطنين، وهي ممارسات تستوجب تشديد العقوبات وتوسيع دائرة المراقبة وصولاً إلى تفكيك مصادر التزود والجهات التي تقف خلف هذه الأنشطة.
ومن جهة أخرى، فإن نجاح أي سياسة لحماية المستهلك لا يقاس بعدد المحجوزات أو البلاغات الصادرة عقب كل عملية، بل بقدرتها على منع وصول هذه المنتجات إلى الأسواق أصلاً.
فالمطلوب اليوم ليس فقط التدخل بعد اكتشاف المخالفة، بل بناء منظومة رقابية أكثر فعالية تعتمد التتبع المستمر واليقظة الاستباقية والتنسيق بين مختلف المتدخلين.
إن حجز 50 كيلوغراماً من لحوم الدواجن المشبوهة بالسعيدية يجب أن يُقرأ كجرس إنذار أكثر منه مجرد خبر عابر. فالقضية تتعلق بصحة المواطنين وبالثقة في سلامة المواد الغذائية المتداولة يومياً.
ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في إتلاف شحنة واحدة، بل في ضمان ألا تجد مثل هذه المنتجات طريقها إلى موائد الأسر المغربية مستقبلاً، لأن صحة المواطن لا تحتمل المجازفة ولا تقبل منطق الربح على حساب السلامة العامة.
تعليقات الزوار