أكادير: زيارة الوالي لم تُخفض الأسعار و”مسرحية المراقبة” تنتهي بالصورة وأسعار الأضاحي تواصل الاشتعال

هبة زووم – أكادير
على نقيض كل الخطابات الرسمية التي بشّرت بوفرة الأضاحي واستقرار السوق، دخلت أسواق بيع الأغنام بجهة سوس ماسة مرحلة الانفجار السعري الحقيقي، بعدما تحولت “رحبات” الأضاحي إلى فضاءات مفتوحة للمضاربة وجشع السماسرة، في مشهد يلخص حجم الهوة بين لغة البلاغات الرسمية وواقع المواطن المغربي الذي وجد نفسه هذا العام أمام أسعار ملتهبة لا علاقة لها بقدرته الشرائية المنهكة أصلاً.
السلطات سارعت، كعادتها، إلى تسويق زيارات ميدانية تحت عناوين براقة من قبيل “تنظيم الأسواق” و”محاربة المضاربة”، حيث قام والي الجهة سعيد أمزازي بجولة داخل رحبة تيكوين مرفوقاً بوفد من المسؤولين، في مشهد حاول تقديم صورة توحي بأن الدولة تمسك بزمام السوق وتراقب الوضع عن قرب. غير أن الحقيقة التي كشفها المواطنون مباشرة بعد انتهاء الزيارة، هي أن كل شيء عاد إلى سابق عهده بمجرد مغادرة الوفد الرسمي، وكأن الأمر لا يعدو أن يكون “خرجة بروتوكولية لالتقاط الصور” لا أكثر.
فالأسعار واصلت التحليق بشكل صادم، والسماسرة استمروا في التحكم في السوق دون أي رادع حقيقي، فيما اكتشف المواطن البسيط أن “الوفرة” التي تتحدث عنها الجهات الرسمية لا تعني شيئاً أمام أكباش تجاوزت أثمانها كل الحدود المعقولة، بزيادات وصلت إلى ما بين 500 و1000 درهم مقارنة بالمواسم السابقة.
المشهد داخل الأسواق كان كافياً لفهم حجم الأزمة: أكباش كثيرة، رحبات ممتدة، وعيون المواطنين تدور بين الأسعار والخيبة. فالأسر التي كانت إلى وقت قريب قادرة على اقتناء أضحية محترمة بميزانية متوسطة، أصبحت اليوم عاجزة حتى عن الاقتراب من الأسعار المعروضة، في ظل تآكل القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل غير مسبوق.
الأخطر أن السلطات لم تعد تقنع أحداً بخطاب “محاربة المضاربة”، لأن المواطن يرى يومياً بأم عينه كيف تتحول الأسواق إلى فضاءات يتحكم فيها الوسطاء والسماسرة، بينما تغيب الرقابة الحقيقية ويختفي أي أثر فعلي للتدخل الزجري. فالزيارات الميدانية وحدها لا تخفض الأسعار، والتقاط الصور بين الأكباش لا يحمي القدرة الشرائية، والخطابات الإنشائية لا توقف جشع السوق.
ما يحدث اليوم في أسواق الأضاحي بسوس ماسة ليس مجرد ارتفاع موسمي عادي، بل هو انعكاس واضح لفشل السياسات الرقابية في ضبط واحدة من أكثر الأسواق حساسية اجتماعياً ودينياً. فحين تتحول شعيرة دينية مرتبطة بالتكافل والفرح إلى مصدر ضغط نفسي وقهر اقتصادي للأسر، فذلك يعني أن هناك خللاً عميقاً في طريقة تدبير السوق وفي مفهوم حماية المستهلك نفسه.
المفارقة المؤلمة أن الجميع يتحدث عن “وفرة العرض”، لكن لا أحد يتحدث عن وفرة القدرة الشرائية. الجميع يطمئن المواطن بوجود الأغنام، لكن لا أحد يسأل إن كان المواطن قادراً أصلاً على شرائها. وهنا تتجلى الأزمة الحقيقية: فالمشكل لم يعد في توفر الأضاحي، بل في قدرة المغاربة على الوصول إليها دون الوقوع في دوامة الاستدانة أو التضحية بما تبقى من توازنهم الاجتماعي.
اليوم، تبدو أسواق الأضاحي بسوس وكأنها مرآة دقيقة لوضع اقتصادي واجتماعي مأزوم: سلطة تراقب بالكاميرات، وسماسرة يتحكمون في الواقع، ومواطن يُترك وحيداً في مواجهة أسعار لا ترحم، بينما يتحول عيد يفترض أن يكون مناسبة للفرح إلى موسم للقلق والاختناق الاجتماعي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد