النظافة أم الغموض؟ صفقة تفاوضية تضع تدبير المال العام تحت المجهر بقلعة السراغنة

هبة زووم – قلعة السراغنة
لم يعد ملف تدبير قطاع النظافة بمدينة قلعة السراغنة مجرد قضية مرتبطة بجمع النفايات وتنظيف الشوارع، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية في تدبير المال العام، بعد الجدل الذي أثارته صفقة تفاوضية تفوق قيمتها مليار سنتيم، أبرمت لمدة ستة أشهر في ظروف تثير الكثير من التساؤلات لدى الرأي العام المحلي.
فالشكاية التي رفعها المستشار الجماعي حميد مجدي إلى عامل الإقليم لم تكن مجرد موقف سياسي عابر أو خلاف داخل المجلس الجماعي، بل أعادت فتح نقاش عميق حول كيفية تدبير الصفقات العمومية ومدى احترام القواعد القانونية التي يفترض أن تضمن المنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.
جوهر القضية لا يكمن في أهمية خدمة النظافة، باعتبارها مرفقاً حيوياً لا يمكن أن يتوقف، بل في الطريقة التي تم اعتمادها لتفويت الصفقة.
فالمسطرة التفاوضية، وفق روح التشريع المنظم للصفقات العمومية، تظل إجراءً استثنائياً لا يُلجأ إليه إلا في ظروف محددة ومبررة بشكل واضح، بينما يبقى الأصل هو المنافسة المفتوحة التي توفر أعلى درجات الشفافية وتحمي المال العام من كل الشبهات.
وإذا كانت الجماعة قد اختارت هذا المسار الاستثنائي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: ما هي الظروف القاهرة أو الاستعجالية التي حالت دون إطلاق صفقة عادية في الآجال القانونية؟ وكيف يمكن تفسير اللجوء إلى التفاوض في ملف كان موعد انتهائه معروفاً سلفاً، بما يسمح نظرياً بالإعداد المسبق لتدبير المرحلة المقبلة دون الوقوع في منطق الاستعجال؟
الأكثر إثارة للانتباه أن عدداً من المنتخبين يؤكدون أنهم لم يطلعوا على تفاصيل الصفقة بالشكل الذي يتيح لهم ممارسة أدوارهم الرقابية، وهو ما يطرح إشكالية أخرى تتعلق بحق أعضاء المجلس في الوصول إلى المعلومة المرتبطة بالقرارات المالية الكبرى التي تهم ميزانية الجماعة.
كما أن الحديث عن تحفظات أبدتها المصالح المختصة بشأن المسطرة المعتمدة قبل تجاوزها لاحقاً يزيد من أهمية النقاش الدائر حول الملف، ويجعل الحاجة إلى توضيحات رسمية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، فكلما تعلق الأمر بأموال عمومية ومبالغ مالية مهمة، يصبح واجب الشفافية ليس خياراً سياسياً، بل ضرورة مؤسساتية وأخلاقية.
إن الخطر الحقيقي في مثل هذه الملفات لا يكمن فقط في احتمال وجود اختلالات من عدمه، بل في استمرار الغموض وغياب التواصل الكافي مع المواطنين. فحين تغيب المعطيات الدقيقة، تحضر التأويلات، وحين تنعدم الشروحات الرسمية، تتوسع دائرة الشكوك، وتصبح الثقة في المؤسسات المحلية أولى ضحايا هذا الوضع.
واليوم، تبدو الدعوات المطالبة بفتح تحقيق إداري وقانوني مستقل في هذا الملف مطلباً مشروعاً ينسجم مع مبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ففتح التحقيق لا يعني توجيه الاتهامات أو إصدار الأحكام المسبقة، بل يمثل آلية قانونية ضرورية لكشف الحقيقة وتحديد مدى احترام المساطر القانونية وترتيب المسؤوليات عند الاقتضاء.
وفي النهاية، فإن قضية صفقة النظافة بقلعة السراغنة تتجاوز حدود تدبير النفايات لتصبح قضية مرتبطة بكيفية إدارة الشأن العام المحلي، فالمواطن لا ينتظر فقط شوارع نظيفة، بل ينتظر أيضاً مؤسسات تشتغل بمنطق الوضوح والشفافية واحترام القانون، لأن المال العام ليس ملكاً لأحد، ولأن الحكامة الحقيقية لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة المؤسسات على إخضاع قراراتها للرقابة والمساءلة وكسب ثقة المواطنين.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد