أزمة الصحافة بالمغرب.. هل تحول التنظيم الذاتي إلى عنوان للفراغ المؤسساتي؟

هبة زووم – الرباط
أعاد النقاش الدائر حول مشروع قانون الصحافة والنشر إلى الواجهة أزمة أعمق يعيشها القطاع منذ سنوات، تتجاوز مجرد الخلاف حول بعض المواد القانونية لتلامس جوهر إشكالية التنظيم الذاتي للمهنة ومستقبل المؤسسات التي يفترض أن تؤطرها وتحمي استقلاليتها.
ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الجسم الصحفي حسم حالة الضبابية التي رافقت ملف المجلس الوطني للصحافة، جاءت مداخلة المستشار البرلماني خالد السطي داخل لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية لتسلط الضوء على عدد من الأعطاب البنيوية التي ما تزال تثقل كاهل القطاع، وتكشف أن الأزمة ليست قانونية فقط، بل مؤسساتية ومهنية واجتماعية أيضاً.
وتكتسي الإشارة إلى قرار المحكمة الدستورية أهمية خاصة، ليس فقط لأنه صحح بعض المقتضيات المرتبطة بمشروع القانون، بل لأنه أعاد طرح سؤال جوهري يتعلق بحدود تدخل السلطة التشريعية والتنفيذية في مجال يفترض أن يقوم أساساً على مبدأ التنظيم الذاتي.
فحين تتدخل أعلى هيئة دستورية للتنبيه إلى اختلالات قد تمس فلسفة هذا التنظيم، فإن الأمر يتجاوز النقاش التقني ليطرح قضية مرتبطة بضمان استقلالية المهنة ومؤسساتها التمثيلية.
غير أن الإشكال الأكبر، كما يظهر من مجمل النقاش الدائر، يتمثل في استمرار حالة الفراغ المؤسساتي التي يعيشها القطاع، فمنذ انتهاء الولاية القانونية للمجلس الوطني للصحافة، تعاقبت حلول مؤقتة وتمديدات متتالية ولجان انتقالية، دون التوصل إلى صيغة مستقرة تضع حداً لهذا الوضع الاستثنائي الذي طال أمده.
ويبدو أن هذا الواقع أفرز حالة من عدم اليقين داخل الجسم الصحفي، حيث أصبح السؤال المطروح ليس فقط متى سيتم انتخاب مجلس جديد، بل كيف سيتم ذلك، وبأي قواعد، وبأي ضمانات تضمن تمثيلية حقيقية لمختلف مكونات القطاع.
وفي هذا السياق، تبرز قضية نمط الاقتراع كواحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل، فبين المدافعين عن الاقتراع الفردي والمطالبين بالتصويت على أساس اللوائح، تتجسد معركة أوسع تتعلق بطبيعة التمثيلية داخل المجلس الوطني للصحافة، ومدى قدرته على عكس التنوع المهني والفكري داخل القطاع بعيداً عن منطق الهيمنة أو الإقصاء.
لكن ربما أكثر ما يثير القلق هو أن هذه النقاشات القانونية والمؤسساتية تجري في وقت تواجه فيه فئة واسعة من الصحفيين مشاكل أكثر إلحاحاً تتعلق بظروف العمل والاستقرار الاجتماعي.
فحين يتحدث مسؤول نقابي وبرلماني عن صحفيين لا يتوصلون بأجورهم، فإن الأمر لا يتعلق فقط بخلاف مهني أو نزاع اجتماعي عابر، بل بمؤشر خطير على هشاشة الوضع الاقتصادي لجزء من المؤسسات الإعلامية.
فلا يمكن الحديث عن صحافة مستقلة وقوية ومؤثرة في ظل أوضاع اجتماعية صعبة يعيشها الصحفيون، ولا يمكن مطالبة الصحفي بأداء رسالته المهنية كاملة وهو منشغل بتأمين أبسط حقوقه المرتبطة بالأجر والاستقرار المهني، لذلك فإن أزمة الصحافة المغربية لا تختزل في القوانين فقط، بل تمتد إلى شروط الممارسة نفسها وإلى النموذج الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية.
كما أن استمرار تأخر الأجور أو عدم صرفها يطرح أسئلة محرجة حول فعالية آليات المراقبة والتتبع، وحول مدى احترام بعض المؤسسات الإعلامية لالتزاماتها تجاه العاملين بها، فحرية الصحافة لا تنفصل عن كرامة الصحفي، والاستقلالية المهنية لا يمكن أن تزدهر في بيئة يسودها الهشاشة وعدم الاستقرار.
واليوم، يبدو أن القطاع يوجد عند مفترق طرق حقيقي. فمن جهة هناك حاجة ملحة إلى استكمال ورش الإصلاح القانوني والمؤسساتي للمجلس الوطني للصحافة، ومن جهة أخرى هناك ضرورة لمعالجة الملفات الاجتماعية والمهنية العالقة التي تؤثر بشكل مباشر على أوضاع الصحفيين ومستقبل المهنة.
لذلك فإن التحدي الأكبر لم يعد فقط في إخراج نص قانوني جديد أو انتخاب مجلس جديد، بل في بناء منظومة صحفية متكاملة تجمع بين الديمقراطية الداخلية، والتمثيلية العادلة، والاستقلالية المهنية، والكرامة الاجتماعية للعاملين في القطاع. لأن أي إصلاح لا يلامس هذه الأبعاد مجتمعة سيبقى إصلاحاً ناقصاً، مهما بلغت جودة نصوصه القانونية أو قوة شعاراته المعلنة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد