هبة زووم – حسن لعشير
لم تكن الفاجعة التي هزت منطقة أوشتام على الطريق الوطنية رقم 16 الرابطة بين تطوان وواد لاو مجرد حادثة سير عابرة، بل شكلت جرس إنذار جديدا يكشف حجم الاختلالات التي ما تزال تطبع منظومة السلامة الطرقية ونقل الآليات الثقيلة بالمغرب، ويعيد إلى الواجهة سؤال المسؤولية والمحاسبة بعد أن دفعت أرواح بريئة ثمن ما يشتبه في كونه سلسلة من التجاوزات والإهمال.
فقد ارتفعت حصيلة الحادث المأساوي، الذي وقع يوم الاثنين 20 يوليوز 2026، إلى أربعة قتلى، ثلاثة منهم من أسرة واحدة لقوا مصرعهم بعين المكان، قبل أن يفارق مصاب رابع الحياة متأثرا بجروحه، فيما أصيب 25 شخصا آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، نقل عدد منهم إلى قسم الإنعاش بالمستشفى الجهوي للتخصصات بتطوان.
وبحسب معطيات متطابقة، فإن الحادث وقع بعدما انزلقت جرافة ضخمة كانت محمولة فوق شاحنة وسقطت بشكل مباشر على حافلة كانت تقل عشرات الركاب وتحمل شعار “النقل المدرسي”، قبل أن تتسبب أيضا في إلحاق أضرار بسيارة أجرة كانت تمر بالمكان.
وتشير المعطيات الأولية إلى أن الجرافة لم تكن مثبتة بالشكل الذي تفرضه معايير السلامة، وهو ما يرجح فرضية الإخلال بشروط نقل الآليات الثقيلة، خاصة وأن الطريق الساحلية رقم 16 معروفة بمنعرجاتها الحادة ومسالكها الجبلية الخطيرة التي تتطلب احتياطات استثنائية، وليس الحد الأدنى فقط من إجراءات السلامة.
ولا تقف علامات الاستفهام عند طريقة نقل الجرافة، بل تمتد أيضا إلى الحافلة التي كانت تحمل شعار “النقل المدرسي”، رغم أن الركاب الذين كانوا على متنها، وفق المعطيات الأولية، ليسوا تلاميذ، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية حول طبيعة الترخيص الذي كانت تشتغل بموجبه، ومدى احترامها للضوابط المنظمة لنقل الأشخاص.
وفي هذا السياق، قررت النيابة العامة المختصة وضع سائقي الشاحنة والحافلة تحت تدبير الحراسة النظرية، مع فتح تحقيق شامل يشمل ظروف تثبيت الجرافة، ومدى احترام شروط السلامة، إضافة إلى فحص الوثائق القانونية الخاصة بالحافلة وظروف استغلالها في نقل الركاب.
غير أن هذه الفاجعة لا يمكن اختزالها في خطأ فردي أو مسؤولية سائق فقط، بل تطرح إشكالا أعمق يتعلق بضعف المراقبة الميدانية، ومدى صرامة أجهزة المراقبة في تتبع عمليات نقل الآليات الثقيلة عبر المحاور الجبلية، حيث يبدو أن بعض المخالفات تمر دون زجر إلى أن تتحول إلى كوارث دامية.
كما تعيد الحادثة إلى الواجهة واقع الطريق الساحلية رقم 16، التي طالما كانت موضوع شكاوى متكررة من مستعمليها بسبب ضيقها، وخطورة منعرجاتها، وارتفاع حركة السير بها خلال الموسم الصيفي، دون أن تواكبها إجراءات استثنائية تضمن سلامة مستعمليها.
واليوم، وبعد سقوط أربعة قتلى وعشرات الجرحى، لم يعد مقبولا أن تظل مثل هذه المآسي مجرد أرقام تضاف إلى سجلات حوادث السير، قبل أن يطويها النسيان. فالمطلوب هو كشف الحقيقة كاملة، وترتيب المسؤوليات دون تردد، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في حق كل من ثبت تقصيره، أيا كانت صفته.
فالأرواح التي أزهقت على الطريق الساحلية ليست ضحايا القدر وحده، بل قد تكون ضحية الإهمال والتهاون وضعف المراقبة. وإذا لم تتحول هذه الفاجعة إلى نقطة انطلاق لمراجعة صارمة لآليات مراقبة نقل الآليات الثقيلة وتشديد تطبيق القانون، فإن الطريق نفسها ستظل مفتوحة على مآسٍ جديدة، وسيبقى المواطن هو من يؤدي الثمن الأغلى.
تعليقات الزوار