التعليم العالي المغربي على مفترق طرق وهيئة نقابية تحذر من “تفكيك ممنهج” للقطاع

هبة زووم – الرباط
في ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب وتصاعد الهجوم على الخدمات العمومية، عقد المكتب الوطني للنقابة الوطنية للعاملين بالتعليم العالي (SNTES)، المنضوية تحت لواء الجامعة الوطنية للتعليم (FNE)، اجتماعاً استثنائياً عن بعد مساء الأحد 21 فبراير 2026، لتدارس الوضع الكارثي الذي يعيشه قطاع التعليم العالي.
وقد خرج الاجتماع ببيان حاسم يُحمّل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار “المسؤولية الكاملة” عن تدهور أوضاع الشغيلة الجامعية، مُعلناً عن مطالب عاجلة وخطوط حمراء لا تقبل المساومة.
ويُشكل التعثر المستمر في إخراج النظام الأساسي لموظفات وموظفي التعليم العالي النقطة الأكثر إلحاحاً في بيان النقابة، حيث لا يزال الملف عالِقاً في دهاليز الإدارة بعد سنوات من الانتظار والحوارات العقيمة.
وتنتقد النقابة بشدة “غياب الوضوح الرسمي” و”الإقصاء المتعمد” لممثلي الشغيلة من عملية صياغة هذا النظام، متسائلة: كيف يمكن الحديث عن “إصلاح” بينما تُهمّش الفئة الأكثر تأهيلاً في القطاع؟ وأي نظام أساسي هذا الذي يُبنى دون مشاركة من سيطبق عليه؟
ولا تقل خطورة التوجه نحو خصخصة الخدمات الجامعية عن أزمة النظام الأساسي، حيث تتجه الوزارة وفق البيان نحو تفويت تدبير الأحياء الجامعية للمقاولات الخاصة، خصوصاً في مجالات الحراسة والنظافة والإطعام والبستنة.
هذا، وحذر المكتب الوطني من أن هذا التوجه يحمل خطراً مزدوجاً: تهديد استقرار الشغيلة عبر نقل العاملين إلى شركات خاصة بشروط أقل ضماناً، وضرب الطابع الاجتماعي للجامعة عبر فرض رسوم باهظة على تسجيل الموظفين لمتابعة دراستهم تحت يافطة “التوقيت الميسر”، مما يُحوّل الحق في التعليم المستمر إلى سلعة لا يقدر عليها إلا الميسورون.
ويُعتبر قانون التعليم الجامعي رقم 59-24 من أبرز نقاط الاحتقان بين النقابة والوزارة الوصية، فبينما تروّج الحكومة له كـ”إصلاح ضروري”، تراه النقابة أداة لتفكيك القطاع وخوصصته التدريجية في غياب أي رؤية تشاركية تحترم استقلالية الجامعة وكرامة العاملين بها. وتسأل النقابة بصراحة: أي نموذج للتعليم العالي نريد؟ هل هو نموذج خدمي عمومي قوي، أم نموذج شبه خاص يخضع لمنطق الربح والخسارة؟
وحمّل بيان النقابة الحكومة والوزارة الوصية مسؤولية فشل الحوار الاجتماعي الذي تحول في نظر الشغيلة إلى لقاءات شكلية لا تفضي إلى أي نتائج ملموسة، سواء على مستوى الزيادة في الأجور التي تبقى دون مستوى غلاء المعيشة، أو تحسين الأوضاع الاجتماعية من سكن وظيفي ونقل ورعاية صحية، أو اعتماد حكامة ديمقراطية قائمة على الشفافية والمشاركة الفعلية لممثلي الشغيلة.
ولم تكتفِ النقابة برصد الاختلالات، بل قدمت مطالب واضحة وعاجلة تتصدرها الدعوة للإخراج الفوري لنظام أساسي عادل ومنصف يستجيب لتطلعات الشغيلة ويضمن كرامتهم المهنية والاجتماعية، بالإضافة إلى المطالبة بزيادة عامة في الأجور وتحسين الأوضاع المادية، ووقف خصخصة الأحياء الجامعية والتراجع عن تفويت تدبير خدماتها للمقاولات الخاصة، مع إلغاء رسوم التسجيل المجحفة.
كما جدد المكتب الوطني تأكيد رفضه المطلق والمبدئي لكل المشاريع الحكومية التي يراها “تراجعية”، وعلى رأسها مشروع قانون الإضراب الجديد الذي يُقيّد الحق الدستوري في التوقف عن العمل، وإدماج مؤسسة الكنوبس في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي يُهدد التغطية الصحية للموظفين، ومشروع تقويض صناديق التقاعد الذي يُحمّل الأجيال القادمة فاتورة إصلاحات غير عادلة.
وإيمانا بأهمية التنظيم النقابي والعمل الوحدوي، دعا المكتب الوطني كافة فروع النقابة جهوياً ومحلياً إلى رص الصفوف وتعزيز التواصل مع القواعد النقابية، وعقد جموعات عامة جهوية ومحلية تحت إشراف المكتب الوطني للتعبئة والاستعداد للمحطات المقبلة، وعلى رأسها المؤتمر الوطني الرابع للنقابة الوطنية الذي يُعتبر محطة حاسمة لتجديد القيادة وترسيخ التوجهات النضالية.
ويُشكل هذا البيان نداء إنذار تُرسله النقابة إلى الحكومة والوزارة الوصية مفاده أن صبر الشغيلة الجامعية قد نفد، وأن الوقت لم يعد يسمح بالتماطل أو الوعود الجوفاء. فإما أن تستجيب الوزارة للمطالب المشروعة للشغيلة وتفتح باب حوار حقيقي يُفضي إلى إصلاحات ملموسة، وإما أن تتحمل المسؤولية التاريخية عن أي تصعيد مقبل قد يُعطل مسار التعليم العالي في المغرب.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد