خريبكة: حين تتحول الأرصفة إلى “مواقف خاصة” والمواطن إلى “عائق” في ملكه العام

هبة زووم – خريبكة
في مدينة خريبكة، عاصمة الفوسفاط ورمز الثروة الوطنية، لم يعد المشي على الرصيف حقاً مكفولاً للمواطن، بل تحول إلى “مغامرة” يومية تتطلب مهارة القفز بين طاولات المقاهي، وسيارات الوقوف العشوائي، وبسطات الباعة المتجولين.
ظاهرة احتلال الملك العمومي، التي تحولت من “خلل عابر” إلى “واقع مُمنهج”، تُطرح اليوم كإشكالية وجودية: من يحمي الفضاء العام في خريبكة؟ ومن يجرؤ على وقف “نهب الأرصفة”؟
فمن يتجول في شارع محمد السادس، الشريان الرمزي لمدينة خريبكة، يُدرك بسرعة أننا لم نعد في “مدينة عادية” تخضع لقوانين واضحة، بل في “جمهورية بريشيا” كما يسميها الساكنة بسخرية مريرة: حيث تُطبخ القوانين على نار هادئة، وتُقدّمها “السلطات” باردة، ويُتاجر في الملك العمومي كما يُتاجر في سلعة رخيصة.
هنا، لا خيار أمام المارة إلا بين أمرين: إما السير فوق الإسفلت وسط السيارات، مُعرّضاً حياته للخطر، أو القفز فوق الكراسي والطاولات التي اجتاحت الأرصفة كما تجتاح النيران الفحم تحت أسياخ الكباب، والسؤال المحرج: أين هي هيبة القانون؟ وأين هي الرقابة التي كان يفترض أن تمنع هذا “النهب المنظم” للفضاء العام؟
لا تقتصر ظاهرة احتلال الملك العمومي في خريبكة على شكل واحد، بل تتعدد وجوهها لتُشكّل مثلثاً قاتلاً للسلامة الحضرية، فأرصفة صُممت للمشاة تحولت إلى “مواقف مجانية” للسيارات، في انتهاك صارخ لقانون السير ولحق المارة في التنقل الآمن، مما يجبر أطفال وكبار السن على السير وسط الطريق، مُعرّضين لحوادث قد تكون مميتة.
وفي الوجه الثاني، نجد مقاهٍ تحولت أرصفتها إلى “امتدادات خاصة”، تضع كراسي وطاولات دون ترخيص، وتُغلق الممرات أمام المارة، وكأن الرصيف “ملك خاص” وليس فضاءً عمومياً.
أما الوجه الثالث، فيتمثل في باعة متجولون يتحولون من “نشاط اقتصادي موازٍ” إلى “قوة احتلال” تفرض وجودها دون اعتبار للتخطيط الحضري أو حقوق الآخرين، فلا أحد ينكر حقهم في الكسب الحلال، لكن أي حق يُمارس على حساب حق آخر؟
ويرى متتبعون أن استمرار هذه الظاهرة لا يعكس فقط “فراغاً رقابياً”، بل قد يُفهم كـتواطؤ ضمني مع من يحتلون الملك العمومي، فالأسئلة المحرجة تتراكم: لماذا لا تُفعّل الغرامات الزجرية في حق من يحتلون الأرصفة؟ ولماذا تتراجع الحملات الميدانية بعد أيام من انطلاقها؟ ولماذا يُترك المجال لـ”قوة الأمر الواقع” لتفرض نفسها على حساب القانون؟
إن “الردع الفعّال” لا يعني فقط “تحرير محاضر”، بل يعني استعادة هيبة القانون وضمان أن الملك العمومي “للجميع”، لا “للخواص”، وعندما تغيب الإرادة السياسية لحماية الفضاء العام، فإن الرسالة التي تصل للمواطن هي أن القانون “مرن” ويمكن تجاوزه بمن يملك “نفوذاً” أو “جرأة”.
ومعلوم أن الفصل 31 من الدستور المغربي ينص على أن “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في العيش في بيئة سليمة”، كما أن القانون رقم 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي يُلزم الجماعات بـ”حماية الملك العمومي” و”ضمان سلامة المارة”.
فكيف نقبل، في ظل هذه النصوص، أن تتحول أرصفة خريبكة إلى “ساحة فوضى” تُهدد حياة المواطنين؟ وأي “مسؤولية” هذه التي تتغاضى عن انتهاك صارخ للحق في التنقل الآمن؟ فحماية الفضاء العام ليست رفاهية، بل هي واجب قانوني وأخلاقي لا يسقط بالتقادم ولا بالمساومة.
اليوم لم يعد مقبولاً أن تُعالج ظاهرة بهذا الخطورة بـ”وعود مستقبلية” أو “حملات موسمية”، ما تحتاجه خريبكة هو خطة عمل عاجلة وشاملة تبدأ بجرد فوري لكل حالات احتلال الملك العمومي في المدينة، مع تحديد المسؤولين عن كل حالة.
كما تتطلب الحالة حملة ميدانية مكثفة لإزالة العوائق من الأرصفة، مع تطبيق صارم للغرامات في حق المخالفين، وتخصيص فضاءات مرخصة للباعة المتجولين، بعيداً عن الممرات الرئيسية، لضمان توازن بين الحق في الكسب والحق في التنقل، بالإضافة إلى مراقبة دائمة للمقاهي والمطاعم لمنع توسعها على حساب الأرصفة، مع سحب الرخص في حال التكرار.
ما تعيشه خريبكة ليس “خللاً حضرياً عابراً”، بل هو اختبار لمصداقية التدبير المحلي وقدرة السلطات على فرض هيبة القانون، فإما أن تتحرك المصالح المختصة بجراعة لاستعادة الأرصفة، وضمان حق المواطنين في فضاء عام آمن ومنظم، وإما أن تستمر “جمهورية بريشيا” في فرض واقعها، حيث تُطبخ القوانين على نار هادئة، ويُتاجر في الملك العمومي كما تُتاجر في سلعة رخيصة.
المواطنون ينتظرون، والساكنة تراقب، فإما رقابة شجاعة تُنقذ الأرصفة، وإما استمرار في “اللامبالاة” التي تُحوّل شوارع خريبكة إلى “متاهة قاتلة”، فالملك العمومي ليس “غنيمة” والرصيف ليس “موقفاً خاصاً” والمواطن ليس “عائقاً” يُتجاوز.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد