هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي كانت فيه الحكومة تواصل تسويق خطاب “وفرة القطيع” وطمأنة المغاربة بقرب انفراج أزمة الأضاحي، جاءت أسواق عيد الأضحى هذا الموسم لتكشف واقعاً مختلفاً تماماً، واقعاً أكثر قسوة ومرارة، عنوانه الأبرز: الغلاء الفاحش، وتآكل القدرة الشرائية، وسقوط الأرقام الرسمية أمام صدمة السوق.
فالمغاربة الذين دخلوا “الرحبات” بحثاً عن أضحية تحفظ ما تبقى من طقوس العيد وكرامة الأسر، وجدوا أنفسهم أمام أسعار ملتهبة لا علاقة لها بما ظل يروج له مسؤولو القطاع الفلاحي طيلة الأسابيع الماضية.
هناك، وسط الغبار وصيحات السماسرة، سقطت لغة البلاغات الرسمية، وظهر بالملموس أن “الحولي” الذي تحدثت عنه التصريحات الحكومية بثمن مناسب، لا يوجد إلا داخل التقارير والاجتماعات المكيفة.
لقد تحولت الأسواق إلى فضاءات للاحتقان الاجتماعي الصامت، حيث الآباء يطوفون بين الأكباش بوجوه شاحبة، يحسبون الفارق بين الدخل الهزيل والأسعار الخيالية، فيما عاد كثيرون إلى بيوتهم بخيبة ثقيلة، بعدما أصبح اقتناء الأضحية أقرب إلى رفاهية طبقية منه إلى شعيرة دينية جامعة.
الأخطر من الغلاء نفسه، هو ذلك الإحساس المتزايد لدى المواطنين بأن هناك انفصالاً حقيقياً بين المسؤول والشارع، بين لغة الأرقام الرسمية وواقع الأسر المغربية المنهكة.
فحين يخرج وزير الفلاحة ليتحدث عن إمكانية اقتناء أضحية بأثمنة “معقولة”، بينما لا يجد المواطن في السوق سوى أسعار تبدأ من مستويات صادمة، فإن الأمر لم يعد مجرد سوء تقدير، بل تحول إلى أزمة ثقة حقيقية في الخطاب الرسمي.
لقد كشفت هذه الأزمة هشاشة السياسات الفلاحية التي صرفت عليها مليارات الدراهم تحت عنوان دعم القطيع والاستيراد. فأين ذهبت نتائج هذا الدعم؟ ولماذا لم ينعكس على الأسواق؟ ومن المستفيد الحقيقي من عمليات الاستيراد والدعم العمومي؟
أسئلة مشروعة يرددها المغاربة اليوم، في ظل شعور عام بأن لوبيات المضاربة والسماسرة هي الرابح الأكبر، بينما ظل المواطن البسيط الحلقة الأضعف دائماً.
إن ما وقع هذا الموسم لم يكن مجرد أزمة عيد عابرة، بل مؤشر خطير على اتساع الهوة الاجتماعية داخل المجتمع المغربي، فحين تتحول شعيرة دينية ارتبطت تاريخياً بالتكافل والفرح الجماعي إلى عبء نفسي ومالي خانق، فهذا يعني أن الوضع تجاوز حدود الغلاء نحو أزمة اجتماعية عميقة تمس الإحساس بالكرامة والاستقرار.
المؤلم أكثر أن الحكومة اختارت مرة أخرى لغة التبرير بدل المصارحة، والتسويق بدل المعالجة الحقيقية. فلا الأسواق ضُبطت، ولا المضاربون توقفوا، ولا المواطن شعر أن هناك من يحميه من هذا النزيف اليومي لقدراته الشرائية، بل إن كثيراً من الأسر باتت تعيش حالة من الإحباط والعجز، وهي ترى أبسط الطقوس الاجتماعية تتحول إلى امتياز لا يقدر عليه إلا الميسورون.
اليوم، لم يعد المغاربة ينتظرون مزيداً من البلاغات أو التصريحات المنفصلة عن الواقع، بل ينتظرون قرارات حقيقية تعيد الاعتبار للمواطن البسيط، وتواجه لوبيات الاحتكار والمضاربة، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، لأن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط القدرة الشرائية، بل يضرب في العمق ما تبقى من الثقة بين المواطن والمؤسسات.
فالدرويش المغربي، الذي صبر طويلاً على موجات الغلاء والأزمات، لم يعد يبحث عن الرفاهية، بل فقط عن حقه في أن يعيش العيد بكرامة، دون إذلال أو قهر أو شعور بالعجز أمام أبنائه.
تعليقات الزوار