هبة زووم – الرباط
لم تكد الأسر المغربية تستفيق من موجات الغلاء المتتالية التي أنهكت قدرتها الشرائية، حتى وجدت نفسها أمام زيادة جديدة في أسعار عدد من منتجات “سنطرال دانون”، في خطوة فجرت موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وأعادت إلى الواجهة دعوات المقاطعة التي سبق أن هزت السوق المغربية قبل سنوات.
ولم يكن حجم الزيادة وحده هو ما أثار حفيظة المستهلكين، بل توقيتها أيضا، إذ اعتبر عدد من النشطاء أن الشركة اختارت لحظة انشغال الرأي العام الوطني بمتابعة مباريات المنتخب المغربي في كأس العالم 2026 لتمرير الزيادات بهدوء، بعيدا عن الأضواء والنقاش العمومي، وهو ما زاد من منسوب الشكوك والانتقادات، حتى وإن لم يصدر ما يؤكد رسميا أن اختيار التوقيت كان مقصودا.
وتداول مستهلكون ومهنيون لوائح الأسعار الجديدة التي جرى تعميمها على محلات القرب، معبرين عن استغرابهم من غياب أي تواصل واضح يشرح للرأي العام الأسباب الحقيقية لهذه الزيادات، في وقت أصبحت فيه الشفافية ضرورة لا خيارا، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواد غذائية أساسية تستهلكها ملايين الأسر بشكل يومي.
ويأتي هذا القرار في سياق اقتصادي بالغ الحساسية، حيث يعيش المواطن المغربي تحت ضغط متواصل بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما جعل أي زيادة جديدة، مهما بدا حجمها محدودا، تتحول إلى شرارة تؤجج الغضب الشعبي وتوسع دائرة فقدان الثقة بين المستهلك والشركات الكبرى.
ويرى متابعون أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالأثمان، بل بطريقة تدبير العلاقة مع المستهلك، فالشركات الكبرى مطالبة اليوم بأكثر من تحقيق الأرباح؛ إنها مطالبة أيضا بالتحلي بالمسؤولية الاجتماعية، واعتماد الوضوح في قراراتها، وإقناع الرأي العام بالمبررات الاقتصادية التي تدفعها إلى مراجعة أسعار منتجاتها، بدل ترك المجال مفتوحا أمام التأويلات والإشاعات.
وفي المقابل، يعتبر أصحاب دعوات المقاطعة أن المستهلك لم يعد الحلقة الأضعف في المعادلة الاقتصادية، بل أصبح يمتلك ورقة ضغط حقيقية تتمثل في قراره الشرائي، مؤكدين أن الامتناع عن اقتناء المنتجات التي تشهد زيادات متكررة يمثل، في نظرهم، وسيلة حضارية للتعبير عن رفض المساس بالقدرة الشرائية.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة تجربة سنة 2018، عندما نجحت حملة المقاطعة في فرض نقاش وطني حول الأسعار وهوامش الربح والعلاقة بين الشركات والمستهلكين، وهي تجربة ما تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية، وتؤكد أن تجاهل نبض الشارع قد تكون له انعكاسات تتجاوز الأرقام التجارية إلى صورة المؤسسة وثقة الزبناء فيها.
إن الرسالة التي يبعث بها المستهلك المغربي اليوم تبدو واضحة: لم يعد يقبل أن يتحمل وحده كلفة الأزمات الاقتصادية، بينما تستمر بعض الشركات في مراجعة أسعارها دون تواصل مقنع أو مراعاة للظرفية الاجتماعية.
وفي ظل هذا الاحتقان، تبدو الحاجة ملحة إلى تدخل أكثر فاعلية من مجلس المنافسة والجهات المكلفة بحماية المستهلك، ليس من أجل التدخل في حرية الأسعار خارج الأطر القانونية، وإنما لضمان الشفافية، وحماية المنافسة، وتعزيز حق المواطن في المعلومة، حتى لا تتحول كل زيادة جديدة إلى وقود لغضب اجتماعي متجدد.
تعليقات الزوار