هبة زووم – الرباط
لم يعد الغلاء في المغرب يقتصر على اللحوم أو الأضاحي أو المحروقات، بل امتد اليوم إلى أبسط المواد الغذائية التي تشكل العمود الفقري للمائدة المغربية، في مشهد يكشف حجم الاختلال الذي بات يضرب الأسواق الوطنية، وسط عجز واضح عن ضبط الأسعار أو حماية القدرة الشرائية للمواطنين.
فمع اقتراب عيد الأضحى، وجدت الأسر المغربية نفسها أمام موجة جديدة من الارتفاع الصاروخي لأسعار الخضر، بعدما تحولت مواد أساسية مثل الطماطم والبصل والبطاطس والجزر والفلفل إلى عبء يومي يثقل كاهل الأسر البسيطة، التي لم تعد قادرة حتى على تأمين الحد الأدنى من متطلبات المطبخ المغربي.
وفي وقت كان المواطن ينتظر فيه انفراجاً ولو مؤقتاً مع اقتراب المناسبة الدينية، جاءت الأسعار لتوجه ضربة جديدة للجيوب المنهكة؛ طماطم بـ15 درهماً للكيلوغرام، جلبانة بـ16 درهماً، بطاطس تلامس 8 دراهم، فيما واصلت باقي الخضر منحاها التصاعدي، وكأن الأسواق المغربية دخلت مرحلة “التسعير المفتوح” دون حسيب أو رقيب.
الخطير في الأمر أن المهنيين أنفسهم باتوا يتحدثون بصراحة عن وجود احتكار منظم ومضاربات تتحكم في السوق، حيث لم يعد الفلاح ولا المستهلك مستفيدين من هذه الأسعار الملتهبة، بينما تتحكم شبكات الوسطاء وأصحاب مخازن التبريد في مسار المنتوجات والأسعار، مستغلين غياب المراقبة وضعف التدخلات الرسمية لتحقيق أرباح خيالية على حساب المغاربة.
لقد تحولت أسواق الجملة، التي يفترض أن تكون آلية لضبط التموين والأسعار، إلى فضاءات يلفها الغموض وتتحكم فيها حسابات المضاربة والاحتكار، في ظل صمت رسمي يثير أكثر من علامة استفهام. فكيف يعقل أن يكون المغرب بلداً فلاحياً، ومع ذلك يعيش مواطنوه تحت رحمة أسعار خضر أصبحت تنافس أسعار بعض المواد الفاخرة؟
الأزمة اليوم لم تعد مرتبطة فقط بالعرض والطلب أو بالتقلبات الموسمية، بل أصبحت تعكس فشلاً حقيقياً في حماية الأمن الغذائي والاجتماعي للمغاربة، إذ لا يمكن الحديث عن “الدولة الاجتماعية” بينما تعجز الأسر عن اقتناء الطماطم والبصل دون استنزاف ميزانيتها اليومية.
ومع اقتراب عيد الأضحى، يزداد غضب المواطنين بسبب تزامن غلاء الأضاحي مع التهاب أسعار الخضر، ما يجعل كثيراً من الأسر تواجه عيداً بطعم القلق والضغط النفسي بدل الفرح والطمأنينة. فالمواطن المغربي لم يعد يشتكي من الكماليات، بل من أبسط مقومات العيش اليومي.
الأخطر من كل ذلك، أن هذا الغلاء المتواصل بدأ يكرس شعوراً عاماً بانعدام الثقة في قدرة الجهات المسؤولة على حماية الأسواق من لوبيات الاحتكار والمضاربة. فكل موسم يتحول إلى فرصة جديدة لرفع الأسعار دون أي تدخل حازم، بينما يبقى المواطن الحلقة الأضعف التي تؤدي فاتورة الفوضى والجشع.
إن ما يحدث اليوم داخل أسواق الخضر ليس مجرد ارتفاع عابر للأسعار، بل مؤشر خطير على اختلال عميق في منظومة التوزيع والمراقبة والتدبير الاقتصادي، يستوجب تدخلاً عاجلاً يعيد التوازن للسوق ويحمي القدرة الشرائية للمغاربة، قبل أن تتحول “القفة المغربية” إلى رفاهية لا يقدر عليها سوى الميسورون.
تعليقات الزوار