تهريب الأضاحي نحو طنجة يترك ساكنة تطوان في مواجهة عيد بلا “حولي”

هبة زووم – حسن لعشير
عاشت مدينة تطوان خلال اليومين الأخيرين قبل عيد الأضحى على وقع مشهد غير مسبوق، بعدما اختفت أضاحي العيد بشكل شبه نهائي من الأسواق المعروفة ببيع الماشية، في صورة عكست حجم الفوضى والارتباك الذي بات يطبع سوق الأضاحي بالمغرب، وسط صمت الجهات المسؤولة وعجزها عن ضبط المضاربات وحماية المواطنين من جشع “الشناقة”.
فبسوق الماشية بمنطقة سيدي عبد السلام بجماعة أزلا القروية، وكذا بمنطقة اللوحة المجاورة للموقع الأثري تمودة، بدت الفضاءات التي كانت إلى وقت قريب تعج بالأغنام وكأنها مهجورة، بعدما اختفت رؤوس الأضاحي بشكل مفاجئ، تاركة وراءها مواطنين يتنقلون بين الأسواق بحثاً عن “حولي” لم يعد له أثر.
العديد من الأسر التطوانية، التي كانت تمني النفس باقتناء أضحية في الساعات الأخيرة قبل العيد، اصطدمت بواقع صادم؛ أسواق فارغة، وأثمان ملتهبة، ووسطاء لا يترددون في نقل الأضاحي إلى مدن أخرى بحثاً عن أرباح أكبر، في مشهد يكشف أن منطق السوق تحول إلى منطق افتراس حقيقي لا مكان فيه لا لحرمة الشعيرة ولا لمعاناة المواطنين.
وحسب إفادات متطابقة استقتها “هبة زووم”، فإن عدداً من “الشناقة” فضلوا ترحيل الأضاحي نحو مدينة طنجة، مباشرة بعد تلقيهم معلومات حول ارتفاع الطلب والأسعار هناك، ما جعلهم يفرغون أسواق تطوان من الأغنام بشكل شبه كامل، تاركين المدينة تواجه واحدة من أصعب أزمات الأضاحي في السنوات الأخيرة.
هذا الوضع لم يخلق فقط حالة من الاستياء، بل عمّق أيضاً شعوراً عاماً بالقهر لدى فئات واسعة من المواطنين، خاصة الأسر البسيطة التي كانت تعول على الأيام الأخيرة من أجل اقتناء أضحية بثمن مناسب، لكن الواقع هذه السنة كان مختلفاً؛ فالسوق لم يعد سوقاً، بل تحول إلى بورصة مفتوحة يتحكم فيها المضاربون والسماسرة دون أي تدخل حقيقي يضع حداً لهذا العبث.
وفي مقابل اختفاء الأضاحي، شهدت محلات الجزارة بطوابير طويلة لمواطنين فضلوا اقتناء كميات محدودة من اللحم بدل الدخول في دوامة الأسعار الخيالية للأكباش، بينما اختارت فئات أخرى، حتى من الميسورين، مقاطعة شعيرة الأضحية تضامناً مع الأسر الفقيرة التي عجزت عن مجاراة الغلاء الفاحش.
أما فئة واسعة من المواطنين الذين يعيشون تحت ضغط الكراء وغلاء المعيشة، فقد باتوا ينظرون إلى الأضحية باعتبارها “ترفاً مؤقتاً” لا يمكنه أن يسبق أولويات أكثر إلحاحاً، مثل تسديد واجبات الكراء أو مواجهة مصاريف الحياة اليومية، في ظل وضع اقتصادي خانق يزداد قسوة سنة بعد أخرى.
إن ما حدث في تطوان خلال اليومين الأخيرين قبل العيد، لم يكن مجرد أزمة عرض عابرة، بل صورة حقيقية لفشل تدبير سوق الأضاحي، وعجز السياسات المعتمدة عن حماية القدرة الشرائية للمواطنين، في وقت تحولت فيه الشعائر الدينية والاجتماعية إلى عبء نفسي ومادي يثقل كاهل الأسر المغربية.
فحين تختفي الأضاحي من الأسواق، وتتحول فرحة العيد إلى رحلة بحث مرهقة عن “حولي” مفقود، فإن الأمر لم يعد يتعلق فقط بالغلاء، بل بأزمة ثقة عميقة في سوق تُسيّره المضاربة ويغيب عنه الضمير والرقابة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد