بعد أشهر من افتتاحه.. المستشفى الجهوي بتطوان في قلب عاصفة من الاختلالات والإضرابات

هبة زووم – حسن لعشير
ما كان يُفترض أن يشكل نقلة نوعية في العرض الصحي بجهة الشمال، تحول في ظرف وجيز إلى عنوان جديد للاختلالات وسوء التدبير، بعدما تفجرت سلسلة من المشاكل داخل المستشفى الجهوي للتخصصات بتطوان، وهو المشروع الذي كلف خزينة الدولة استثمارات بمئات الملايين من الدراهم، قبل أن يجد المرضى أنفسهم أمام مؤسسة توصف بأنها “بناية حديثة بلا روح”، تفتقر إلى التجهيزات الأساسية والخدمات الحيوية التي من أجلها أُنشئت.
وفي تطور لافت، كسر الأمين العام للحزب المغربي الحر، إسحاق شارية، حاجز الصمت، موجها انتقادات حادة للوضع الذي يعيشه القطاع الصحي بمدينة تطوان، ومطالبا بفتح تحقيق عاجل وشامل في ما وصفه بـ”الاختلالات الخطيرة” التي يشهدها المستشفى الجديد، وذلك بعد أشهر قليلة فقط من افتتاحه.
وأكد شارية أن ما يجري داخل هذا المرفق الصحي لا يمكن اعتباره مجرد أعطاب تقنية أو مشاكل عابرة، بل يعكس خللا عميقا في تدبير مشروع كان من المفترض أن يخفف معاناة المرضى ويعزز الخدمات الصحية بالجهة، قبل أن يتحول إلى مصدر جديد للاحتقان وسط الأطر الصحية والمرتفقين.
ولم يتوقف الانتقاد عند حدود تدبير المستشفى، بل امتد إلى ممثلي الإقليم داخل المؤسسة التشريعية، حيث وجه المسؤول الحزبي انتقادات مباشرة إلى البرلمانيين الخمسة الممثلين لدائرة تطوان، معتبرا أنهم يوجدون “خارج التغطية”، بسبب صمتهم تجاه ما يحدث داخل واحد من أهم المشاريع الصحية بالإقليم، رغم أن دورهم الدستوري يفرض عليهم مراقبة الأداء الحكومي والترافع عن قضايا المواطنين.
ويطالب الحزب المغربي الحر بتدخل عاجل لكل من المفتشية العامة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية والمجلس الأعلى للحسابات، من أجل فتح تحقيق إداري ومالي وتقني يرصد أسباب هذه الاختلالات، ويحدد المسؤوليات، ويضع حدا لما اعتبره هدرا للاستثمارات العمومية.
وتزداد خطورة الوضع، وفق معطيات متداولة محليا، مع استمرار تعطل جهاز السكانير، وغياب خدمات وتجهيزات أساسية، من بينها جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي (IRM)، وهو ما يضطر المرضى إلى البحث عن العلاج بالمصحات الخاصة أو التنقل إلى مدن أخرى، في تناقض صارخ مع الأهداف التي أعلن عنها عند تدشين هذا المشروع.
وتطرح هذه المعطيات أسئلة محرجة حول الكيفية التي تم بها تسلم المشروع، ومدى احترام دفاتر التحملات والمعايير التقنية، وكيف يمكن لمستشفى حديث العهد أن يعرف هذا الكم من الأعطاب والخصاص في التجهيزات، رغم الكلفة المالية الضخمة التي رصدت لإنجازه.
ويرى متتبعون أن الأزمة الحالية تتجاوز الجانب الصحي، لتصبح اختبارا حقيقيا لمنظومة الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، إذ لا يكفي تشييد بنايات ضخمة وتدشينها أمام عدسات الكاميرات، إذا كانت ستتحول بعد أشهر إلى مرافق عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات العلاجية للمواطنين.
وفي انتظار تحرك الجهات الوصية، يبقى السؤال الذي يطرحه الرأي العام المحلي: كيف لمستشفى أنفق عليه المال العام بسخاء أن يتحول إلى بناية فارغة من مضمونها، بينما يواصل المرضى دفع ثمن الأعطاب وسوء التدبير؟
فالمواطن لا يحتاج إلى مبانٍ إسمنتية فخمة بقدر حاجته إلى مستشفى يشتغل بكامل طاقته، ويضمن له حقه الدستوري في العلاج، أما استمرار الصمت والتسويف فلن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة، ويجعل هذا المشروع نموذجا جديدا للهدر بدل أن يكون عنوانا للإصلاح.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد