53 ألف بناية آيلة للسقوط.. هل استيقظت الحكومة متأخرة على قنابل المغرب الموقوتة؟

هبة زووم – الرباط
أعاد الرقم الذي كشف عنه الوزير المنتدب المكلف بالإسكان، أديب بن براهيم، بشأن وجود أكثر من 53 ألف بناية آيلة للسقوط بالمغرب، فتح واحد من أكثر الملفات الاجتماعية والعمرانية حساسية، ليس فقط بسبب حجم الخطر الذي يهدد آلاف الأسر المغربية، بل أيضا لأنه يعكس سنوات طويلة من التأخر في معالجة إشكالية تحولت في عدد من المدن إلى قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة.
فحين تعترف الحكومة بوجود 53 ألفا و728 بناية مهددة بالانهيار، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد معطى إحصائي أو رقم تقني عابر، بل بمؤشر خطير على حجم الاختلالات المتراكمة في مجال التعمير والسكن وسياسات التأهيل الحضري، خصوصا داخل المدن العتيقة والأحياء الهامشية التي ظلت لعقود خارج أولويات التدخل العمومي الفعلي.
ورغم تأكيد الوزير إنجاز خبرات تقنية لأكثر من 28 ألف بناية وإحالة التقارير المتعلقة بالحالات المستعجلة على الجهات المختصة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: ماذا عن آلاف الأسر التي لا تزال تعيش يوميا تحت أسقف متصدعة وجدران مهددة بالانهيار؟
فالواقع يؤكد أن هذا الملف ليس جديدا، بل عمره سنوات طويلة، شهد خلالها المغرب العديد من المآسي المرتبطة بانهيار المنازل والدور السكنية، والتي خلفت ضحايا وخسائر مادية وبشرية مؤلمة، ومع كل حادثة كانت ترتفع الأصوات المطالبة بالتدخل الاستباقي، قبل أن يعود الملف إلى رفوف الإدارات إلى حين وقوع كارثة جديدة.
الأخطر من ذلك أن معضلة البنايات الآيلة للسقوط لا تمس فقط السلامة الجسدية للمواطنين، بل تكشف أيضا عمق التفاوتات الاجتماعية والمجالية داخل المدن المغربية، فغالبية المتضررين ينتمون إلى فئات اجتماعية هشة لا تملك القدرة على اقتناء سكن بديل أو تمويل عمليات الترميم المكلفة، ما يجعلها رهينة واقع قاس بين خطر الانهيار واستحالة الرحيل.
وفي هذا السياق، تبدو الأرقام المعلنة وكأنها شهادة رسمية على فشل مقاربات سابقة ظلت تعتمد على التدخلات الظرفية والترقيعية بدل وضع استراتيجية وطنية شاملة لمعالجة جذور المشكلة.
فإذا كانت الحكومة تتحدث اليوم عن إطار مرجعي جديد قائم على الاستباقية والنجاعة والالتقائية، فإن الرأي العام يتساءل عن حصيلة السنوات الماضية التي سمحت بتراكم هذا العدد الكبير من البنايات المهددة بالسقوط دون إيجاد حلول جذرية ومستدامة.
ولعل ما يزيد من حساسية الملف هو تزامنه مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث حذر فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس المستشارين من إمكانية استغلال معاناة قاطني هذه البنايات كورقة انتخابية، وهو تحذير يعكس مخاوف حقيقية من تحويل مأساة اجتماعية وإنسانية إلى مادة للمزايدات السياسية وتوزيع الوعود التي غالبا ما تتبخر بعد انتهاء الحملات الانتخابية.
فالمواطن الذي يعيش تحت سقف مهدد بالانهيار لا يحتاج إلى خطابات انتخابية أو شعارات موسمية، بقدر ما يحتاج إلى قرارات عملية عاجلة تنقذه وأسرته من خطر الموت تحت الأنقاض.
كما أن الحديث عن لجان إقليمية واجتماعات تنسيقية ودوريات إدارية، رغم أهميته، لا يمكن أن يحجب حقيقة أن الملف ما يزال ينتظر حلولا ميدانية ملموسة يشعر بها المواطن على أرض الواقع.
وإذا كانت بعض الجهات قد شرعت بالفعل في تنزيل برامج للتدخل، فإن حجم المشكلة المطروح اليوم يفرض تعبئة مالية ولوجستيكية استثنائية، خاصة في ظل اتساع رقعة البنايات المهددة وتعدد المتدخلين وتداخل الاختصاصات.
إن ما كشفته الحكومة لا ينبغي أن يمر باعتباره مجرد حصيلة رقمية، بل يجب أن يشكل لحظة حقيقية للمساءلة والتقييم. فوجود أكثر من 53 ألف بناية آيلة للسقوط يعني أن آلاف الأسر المغربية ما تزال تعيش في دائرة الخطر، ويعني أيضا أن السياسات العمومية السابقة لم تنجح بالقدر الكافي في حماية الحق الدستوري للمواطن في السكن الآمن واللائق.
واليوم، وبين لغة الأرقام الرسمية وواقع الأسر المهددة، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من مرحلة الجرد والإحصاء إلى مرحلة الإنجاز والحلول الفعلية. لأن البنايات الآيلة للسقوط لا تنتظر التقارير، بل تنتظر إرادة سياسية قادرة على تحويل الوعود إلى مشاريع، والتشخيص إلى إنقاذ، قبل أن تتحول الأرقام إلى مآسٍ جديدة تضاف إلى سجل الإهمال العمراني بالمغرب.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد