جرسيف بين وعود المشاريع وواقع العطش.. هل تنجح اجتماعات العامل في إنقاذ إقليم يستنزف آخر قطراته؟

هبة زووم – جرسيف
لم يعد الإجهاد المائي بإقليم جرسيف مجرد مؤشر بيئي مقلق، بل تحول إلى أزمة بنيوية تفرض نفسها بقوة على مختلف القطاعات، في ظل استمرار سنوات الجفاف، وتراجع الفرشات المائية، واتساع رقعة الخصاص في الماء الشروب.
ورغم توالي الاجتماعات والبرامج والإعلانات الرسمية، يبقى السؤال الذي يطرحه المواطنون بإلحاح: متى تتحول هذه الوعود إلى حلول ملموسة تنهي معاناة الساكنة؟
هذا السؤال فرض نفسه بقوة خلال اجتماع اللجنة الإقليمية للماء، المنعقد يوم الخميس 23 يوليوز 2026 برئاسة عامل إقليم جرسيف، والذي كشف، بشكل غير مباشر، حجم الاختلالات والتحديات التي راكمها القطاع خلال السنوات الماضية، بعدما أصبحت الموارد المائية بالإقليم تحت ضغط غير مسبوق.
وأبرزت مختلف العروض المقدمة خلال الاجتماع أن الوضع المائي بلغ مرحلة دقيقة، حيث تعاني الفرشات الجوفية من تراجع مستمر، فيما يتزايد الطلب على الماء بوتيرة تفوق قدرة الموارد الطبيعية على التجدد، وهو ما يجعل الأمن المائي بالإقليم رهينا بسرعة إنجاز المشاريع المبرمجة، لا بمجرد الإعلان عنها.
وفي مقدمة هذه المشاريع، يبرز سد تاركا أومادي، الذي يمثل رهان الإقليم الأكبر لتأمين الماء الشروب. ورغم بلوغ الأشغال المدنية نسبة متقدمة تقارب 90 في المائة، فإن استمرار التأخر في استكمال الأشغال الهيدروميكانيكية والتجهيزات المرافقة يثير تساؤلات حول مدى احترام الآجال المحددة، خاصة وأن الساكنة لم تعد تحتمل مزيدا من الانتظار في ظل تزايد آثار الجفاف.
كما كشفت الشركة الجهوية متعددة الخدمات – الشرق عن سلسلة من المشاريع الرامية إلى تعزيز إنتاج الماء، وإنجاز خزانات جديدة، وتجديد الشبكات للحد من التسربات، فضلا عن مشروع مستقبلي لتزويد جرسيف بالمياه المحلاة انطلاقا من محطة الناظور، وهي مشاريع تعكس حجم الخصاص القائم أكثر مما تعكس وفرة في الموارد.
أما المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، فقد أكد أن المدينة تعتمد حاليا على ثلاث منظومات للإنتاج، مع برمجة منظومة رابعة، في وقت ما تزال بعض الجماعات، وعلى رأسها مزكيتام، تعاني من اضطرابات في التزود، إضافة إلى استمرار الاستعمال غير القانوني للماء الشروب في بعض الأنشطة الفلاحية، وهو ما يفاقم الضغط على الموارد المتاحة.
ولعل أخطر ما كشف عنه الاجتماع هو المعطيات التي قدمتها وكالة الحوض المائي لملوية، والتي أكدت تسجيل عجز سنوي كبير واستمرار الانخفاض المقلق في منسوب الفرشات المائية، داعية إلى تفعيل شرطة الماء، والتصدي الصارم لكل مظاهر الاستغلال العشوائي، والإسراع بإنجاز السدود التلية التي لم يعد تأخيرها مقبولا في ظل هذه الظروف.
ورغم أهمية هذه المشاريع والإجراءات، فإن الواقع يؤكد أن الأزمة ليست فقط أزمة بنية تحتية، بل أيضا أزمة حكامة وتدبير وترشيد. فاستمرار ضياع كميات مهمة من المياه بسبب التسربات، والاستغلال غير المشروع، وضعف الوعي بأهمية الاقتصاد في الماء، كلها عوامل تجعل أي استثمار معرضا لفقدان جزء كبير من نجاعته إذا لم تواكبه مراقبة صارمة وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة.
وفي ختام الاجتماع، شدد عامل الإقليم على أن الانتقادات التي أثيرت كانت موضوعية وتعكس حجم التحديات الحقيقية، مؤكدا أن الماء أصبح مسؤولية جماعية تتطلب تعبئة الجميع، مع التطبيق الصارم للقانون في مواجهة كل أشكال هدر هذه الثروة الحيوية.
غير أن المتتبعين يرون أن المرحلة الحالية لم تعد تحتمل الاكتفاء بالتشخيص وإصدار التوصيات، بل تستوجب تسريع وتيرة الإنجاز، وضمان احترام آجال المشاريع، ومحاسبة كل من تسبب في تأخيرها أو في استنزاف الموارد المائية، لأن أمن جرسيف المائي لم يعد رهانا تنمويا فقط، بل أصبح قضية وجودية ترتبط بحق الساكنة في الماء، وبمستقبل التنمية والاستقرار بالإقليم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد