تارودانت.. حين تعود “عقلية الحرس القديم” ويصبح الصوت الانتخابي رهيناً بالمال والنفوذ

هبة زووم – تارودانت
في تارودانت، يبدو أن الانتخابات لا تزال تحمل معها رائحة الأساليب القديمة نفسها: المال، الوسطاء، استغلال الحاجة، الوعود الموسمية، ثم الاختفاء مباشرة بعد إغلاق صناديق الاقتراع. وبينما تُرفع شعارات التغيير وتجديد النخب، يجد المواطن نفسه أمام مشهد يعيد إنتاج الوجوه نفسها، والعقليات نفسها، والرهانات نفسها.
والأخطر أن الحديث المتداول محلياً لا يقف عند حدود المال الانتخابي، بل يصل إلى حياد الإدارة الترابية، من خلال ما يروج بشأن دعم العامل مبروك للمرشحة نادية بوهدود. وهي معطيات تحتاج، بحكم خطورتها، إلى التحقق والتوضيح الرسمي، لأن أي انحياز إداري، إن ثبت، لن يكون مجرد تفصيل انتخابي، بل مساساً بمبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين.
فالإدارة مطالبة بأن تكون فوق المنافسة، لا جزءاً منها، وأن تجعل القانون هو الطرف الوحيد الذي تدعمه. ولذلك فإن السؤال المشروع ليس: من يدعم من؟ وإنما: هل تُعامل جميع الأسماء واللوائح والمرشحين بالمعايير نفسها؟ لكن حتى بعيداً عن هذه الادعاءات، يبقى السؤال الأكبر قائماً: ماذا تغير في المشهد الانتخابي بتارودانت؟
فمع كل موعد انتخابي، يعود الحديث عن سماسرة يستغلون هشاشة المواطنين وحاجتهم، فيجمعونهم ويقدمون لهم مبالغ محدودة أو وعوداً عابرة، مقابل توجيه أصواتهم إلى مرشحين قد لا يعرف هؤلاء الناخبون عن برامجهم شيئاً.
وهنا تكمن المفارقة الصادمة: 200 درهم اليوم، مقابل خمس سنوات من القرارات والتمثيلية والنفوذ غداً، ينتهي المال في ساعات، وتنتهي الوعود بعد أيام، لكن نتائج التصويت تبقى لسنوات.
فإذا كان المرشح الذي اشترى الأصوات عاجزاً عن تقديم شيء للمدينة، فمن يدفع الثمن؟ ليس السمسار الذي قبض عمولته، ولا الناخب الذي حصل على مبلغ عابر، بل المواطن الذي سيعود بعد ذلك إلى المستشفى نفسه، والطريق نفسها، والخدمات نفسها، والبطالة نفسها، والتهميش نفسه.
ومن هنا فإن المعركة ضد المال الانتخابي لا ينبغي أن تتحول إلى جلد للفقراء، فالمواطن الذي تدفعه الحاجة إلى قبول مبلغ زهيد لا يتحمل وحده مسؤولية منظومة كاملة، المسؤولية تبدأ أيضاً عند من يدفع، ومن يشتري، ومن ينسق، ومن يستغل الحاجة، ومن يمتلك السلطة والقدرة على مراقبة هذه الممارسات ومنعها.
أما تحويل الانتخابات إلى سوق موسمية، فمعناه إفراغ الديمقراطية من مضمونها وتحويل المواطن من صاحب قرار إلى مجرد رقم انتخابي قابل للتوجيه.
والأخطر أن هذه الممارسات، إذا استمرت، تنتج حلقة مفرغة: الفقر يولد الحاجة، والحاجة تفتح الباب للاستغلال، والاستغلال قد يساهم في إيصال منتخبين دون برامج حقيقية، وضعف التدبير يؤدي إلى مزيد من التهميش، ثم يعود الفقر والحاجة في الانتخابات المقبلة ليصبحا وقوداً جديداً للسوق الانتخابية، هكذا يصبح الفساد الانتخابي، متى ثبت وجوده، ليس مجرد مخالفة في يوم الاقتراع، بل آلية لإعادة إنتاج الفشل.
وفي هذا السياق، يحق للمواطن أن يسأل: هل نحن أمام تغيير حقيقي للنخب، أم أمام تدوير للوجوه نفسها تحت شعارات جديدة؟ فـ”الحرس القديم” ليس بالضرورة كل من سبق له ممارسة السياسة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول التجربة إلى احتكار، وعندما تصبح الانتخابات مجرد عملية إعادة تدوير للنفوذ، وعندما لا يُترك المجال أمام الكفاءات الجديدة إلا كشعار للاستهلاك.
تارودانت وأولاد تايمة لا تحتاجان إلى من يشتري أصوات المواطنين، بل إلى من يقنعهم، لا تحتاجان إلى سماسرة يفاوضون على أصوات الفقراء، بل إلى برامج قابلة للمحاسبة. ولا تحتاجان إلى إدارة يُثار حول حيادها الجدل، بل إلى إدارة يكون حيادها واضحاً بما يكفي لإسكات كل الشبهات.
أما مقولة “المال كيجيب المال”، فإذا كانت تعكس فعلاً منطق بعض الممارسات الانتخابية، فإنها تختصر مأساة سياسية كاملة: تدفع اليوم لتصل إلى المنصب، ثم تبحث غداً عن استعادة ما دفعته بأضعافه.
فهل أصبح صوت المواطن استثماراً؟ وهل أصبحت الحاجة الاجتماعية مدخلاً للمتاجرة بالإرادة الانتخابية؟ وهل يعقل أن يكون ثمن قرار قد يرسم مستقبل مدينة وإقليم لسنوات هو بضع أوراق نقدية؟
الانتخابات ليست صفقة ليوم واحد، والصوت الذي يُباع اليوم قد تكون فاتورته طريقاً متهالكاً غداً، أو خدمة صحية متعثرة، أو فرصة عمل ضائعة، أو مشروعاً تنموياً لم ير النور.
لذلك، فإن التغيير الحقيقي لا يبدأ بتغيير الملصقات واللافتات، وإنما بكسر ثقافة شراء الأصوات، وفتح المجال أمام الكفاءة، وضمان حياد الإدارة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أما من يريد الوصول إلى مواقع المسؤولية بالمال والنفوذ، فالسؤال الذي ينبغي أن يواجهه المواطن بسيط: ماذا ستقدم بعد أن ينتهي يوم الاقتراع؟ لأن المال ينتهي، والسمسار يختفي، والحملة تُطوى، لكن المواطن يبقى وحده أمام نتائج اختياره لخمس سنوات كاملة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد