بركان.. اتهامات بتدخل أعوان السلطة في الانتخابات تضع العامل الشنوري أمام امتحان الحياد

هبة زووم – بركان
لم تنتهِ الانتخابات التشريعية بإقليم بركان بإعلان النتائج، بل يبدو أن أسئلة أخرى بدأت للتو في الظهور، بعدما رفعت أصوات سياسية اتهامات بشأن ما تعتبره ممارسات منسوبة إلى بعض رجال وأعوان السلطة خلال يوم الاقتراع، وترى أنها كان من شأنها التأثير على إرادة الناخبين والمس بسلامة العملية الانتخابية.
وكيل لائحة حزب العدالة والتنمية رفع سقف انتقاداته، معتبراً أن ما وقع يوم الاقتراع يستوجب الوقوف عنده، وأن أي ممارسات يمكن أن تؤثر في حرية اختيار الناخبين لا تنسجم مع مسار الإصلاح الديمقراطي ولا مع مبدأ حياد الإدارة الترابية.
وإذا كانت هذه الاتهامات تظل، في غياب نتائج تحقيق أو قرارات قضائية، ادعاءات سياسية تحتاج إلى الإثبات والتدقيق، فإن خطورتها تكمن في الجهة التي تتعلق بها: رجال السلطة الذين يفترض أن يقفوا على المسافة نفسها من مختلف المتنافسين.
من المفهوم الجديد للسلطة إلى سؤال الحياد
الجدل الذي تفجر في بركان يعيد إلى الواجهة سؤالاً أوسع من نتيجة هذا الحزب أو ذاك: أين تبدأ حدود الإدارة الترابية وأين تنتهي، عندما يتعلق الأمر بالمنافسة الانتخابية؟
فالمشكلة، بحسب منتقدي تدبير العملية الانتخابية بالإقليم، لا تختزل بالضرورة في تغيير ورقة داخل صندوق أو التلاعب بمحضر، وإنما يمكن أن تبدأ قبل ذلك بكثير، عبر طبيعة العلاقة التي تربط بعض رجال السلطة بالفاعلين المحليين، وكيفية التعامل مع المرشحين، ومدى تكافؤ شروط التحرك والتواصل والحملة.
وهنا تبرز الاتهامات التي وجهها خصوم الإدارة إلى العامل الشنوري، والتي تتحدث عن تدخلات قبلية ومحاولات للتأثير في موازين القوى المحلية، وتقريب بعض الأعيان والفاعلين، مقابل ما يعتبره أصحاب هذه الانتقادات تضييقاً على أصوات سياسية أخرى.
لكن هذه الاتهامات، مهما كانت حدتها، تحتاج إلى شيء واحد حتى تنتقل من الخطاب السياسي إلى الملف القابل للمساءلة: الأدلة.
فلا يكفي القول إن عون سلطة دعم مرشحاً، أو إن الإدارة غضت الطرف عن مخالفة، أو إن المال الانتخابي تحرك أمام أعينها؛ المطلوب تحديد الوقائع، والأسماء، والأماكن، والتواريخ، والشكايات، والمحاضر، وأي تسجيلات أو وثائق يمكن أن تضع الجهات المختصة أمام مسؤوليتها.
المال الانتخابي.. والاتهام الذي يحتاج إلى إثبات
ومن بين أكثر الملفات حساسية التي أثيرت في سياق الانتقادات الحديث عن استعمال المال واستغلال بعض أشكال الدعم والإحسان خلال الحملة الانتخابية، وهنا أيضاً ينبغي التمييز بين الانتقاد السياسي وبين ثبوت الجريمة الانتخابية.
فأي حديث عن شراء الأصوات أو توجيه المال لخدمة مرشح معين يظل مجرد ادعاء ما لم تدعمه محاضر رسمية أو تحقيقات أو أحكام قضائية. وفي المقابل، فإن مجرد غياب حكم قضائي لا يعني أن كل الوقائع المثارة يجب تجاهلها، خصوصاً عندما تتكرر الشكايات وتقدم إلى الجهات المختصة.
والسؤال الحقيقي الذي تفرضه هذه المعطيات هو: هل تم التعامل مع جميع الشكايات والوقائع الانتخابية بالسرعة والصرامة نفسيهما، بصرف النظر عن هوية المشتكي أو المشتكى به؟
السعيدية تدخل على الخط
ولم يتوقف الجدل عند تصريحات وكيل لائحة العدالة والتنمية، إذ خرجت فاطمة الزهراء الماحي، مرشحة حزب التقدم والاشتراكية بالدائرة نفسها، في شريط فيديو تحدثت فيه عن وقائع قالت إنها عرفتها مدينة السعيدية، وربطتها بتدخلات منسوبة إلى أعوان السلطة وتأثيرها، بحسب روايتها، على مجريات ونتائج الاقتراع.
وتكتسي شهادة الماحي أهمية سياسية وإعلامية لأنها تضع جزءاً من النقاش في إطار واقعة محددة ومكان محدد، وهو ما يجعل الكرة في ملعب الجهات المختصة للتحقق من مضمون ما ورد في الفيديو، والاستماع إلى الأطراف المعنية، ومقارنة الادعاءات بالمحاضر والمعطيات الانتخابية الرسمية.
واللافت أن النتائج النهائية المعلنة بإقليم بركان أظهرت تصدر الأصالة والمعاصرة بـ17,638 صوتاً، يليه الاستقلال بـ12,184، ثم التجمع الوطني للأحرار بـ6,893، فيما حصل العدالة والتنمية على 4,000 صوت، والتقدم والاشتراكية على 814 صوتاً.
هذه الأرقام لا تثبت في حد ذاتها وجود تدخل إداري، كما لا تنفيه؛ فهي ببساطة نتائج للصندوق. أما الادعاءات المتعلقة بتأثير رجال السلطة، فتحتاج إلى مسار مستقل للتحقق منها.
العامل الشنوري أمام سؤال لا يحتمل المنطقة الرمادية
الانتخابات ليست مجرد يوم للاقتراع، والحياد الإداري لا يقاس فقط بسلامة الصناديق عند نهاية اليوم، وإنما أيضاً بسلامة المسار الذي يقود إليها.
والعامل، باعتباره جزءاً من منظومة الإدارة الترابية، يوجد في قلب هذا النقاش، لا باعتباره مسؤولاً عن كل تصرف يصدر عن عون سلطة، وإنما باعتباره المسؤول الترابي الأول الذي يفترض أن يضمن احترام قواعد الحياد والتنسيق والتتبع داخل نفوذه الترابي.
وقد أعلنت وزارة الداخلية، في إطار انتخابات 23 شتنبر، عن تفعيل لجان إقليمية لتتبع الانتخابات تضم العامل والوكيل العام للملك أو وكيل الملك، بما يجعل آليات التتبع والمراقبة قائمة مؤسساتياً.
لذلك، فإن السؤال المطروح اليوم على الإدارة الترابية ببركان ليس: من فاز ومن خسر؟ فالصندوق قال كلمته والنتائج أُعلنت، والسؤال هو: هل كانت الطريق إلى الصندوق محايدة بالقدر نفسه الذي يفترض أن يكون عليه الصندوق؟
وإذا كانت الاتهامات الموجهة إلى بعض أعوان السلطة غير صحيحة، فإن التحقيق والتوضيح الرسمي كفيلان بوضع حد لها. وإذا ثبتت وقائع مخالفة، فإن المسؤولية لا ينبغي أن تتوقف عند المنفذ المباشر، بل يجب أن تصل إلى كل من تثبت علاقته بها، وفق القانون.
ذلك أن حماية نزاهة الانتخابات لا تكون بالشعارات، ولا بتكرار الحديث عن “المفهوم الجديد للسلطة”، وإنما بإقناع المواطن بأن رجل السلطة حارس للقانون وليس طرفاً في المنافسة، وأن الإدارة تراقب الانتخابات ولا تصنع نتائجها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد