هبة زووم – الرباط
يبدو أن زلزال نتائج الانتخابات التشريعية لم ينته بإعلان الأرقام وتوزيع المقاعد، بل بدأ فصل آخر داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، عنوانه هذه المرة الصراع حول المسؤولية السياسية عن النتائج، ومن يتحمل تبعات الملفات التي أثرت على صورة الحزب، ومن يملك حق مساءلة القيادة عندما تتراجع الحصيلة الانتخابية.
فبحسب ما أوردته “اليوم24″، تتجه قيادة التجمع الوطني للأحرار نحو تجميد عضوية كمال صبري بالمكتب السياسي، على خلفية مواقف وتصريحات عبّر عنها خلال اجتماعات داخلية أعقبت الانتخابات. غير أن القرار لم يصدر، إلى حدود نشر المعطيات، في صيغة رسمية عن الحزب. والمفارقة أن الموقع الرسمي للتجمع ما يزال يدرج اسم صبري ضمن أعضاء المكتب السياسي.
الخلاف، وفق المصادر التي نقلتها الجريدة المذكورة، لم يبدأ من فراغ، فبعد النتائج الانتخابية، انعقد اجتماع حزبي بالدار البيضاء بحضور محمد بوسعيد، خُصص لتقييم الحصيلة والبحث عن أسباب التراجع، وسط أصوات طالبت بمحاسبة اللجنة التي تولت تدبير الانتخابات، وأخرى ناقشت خيار انتقال الحزب إلى المعارضة.
وهنا تحديداً دخل كمال صبري على خط المواجهة، بحسب المصدر نفسه، ليطرح سؤالاً لا يمكن لأي قيادة حزبية أن تتجاهله بعد أي استحقاق انتخابي: من يتحمل مسؤولية النتائج؟
فالحزب الذي يدخل الانتخابات بخطاب القوة والتنظيم والجاهزية لا يمكنه، بعد ظهور النتائج، أن يكتفي بتدوير المسؤوليات أو اختزال التراجع في ظروف خارجية.
والأهم أن حزب الأحرار نفسه كان قد شدد، قبل الانتخابات، على ضرورة صون مصداقية العمل السياسي والتنافس الديمقراطي، محذراً من ممارسات قال إنها تضر بثقة المواطنين في الأحزاب والعملية السياسية.
بحسب رواية “اليوم24″، لم تقتصر مواقف صبري على المطالبة بمراجعة تدبير الانتخابات، بل اتخذت منحى أكثر حساسية بعدما حمّل، وفق المصدر، رئيس الحزب محمد شوكي، والقيادي مصطفى بايتاس، ورئيس مجلس النواب السابق راشيد الطالبي العلمي، مسؤولية سياسية في تداعيات ملف مرتبط بشكاية سبق أن تقدم بها البرلماني السابق محمد الفايق بشأن ادعاءات حول تقديم مبالغ مالية خلال انتخابات 2021.
والأكثر حساسية أن صبري، وفق الرواية ذاتها، طالب بتجميد عضوية شوكي وبايتاس إلى حين اتضاح مآل التحقيق المرتبط بالملف، مستحضراً قرارات سابقة اتخذها الحزب في حق قياديين في سياقات قضائية.
هذه المواقف، إن صحت كما نقلتها المصادر، لا تعكس مجرد خلاف تنظيمي عابر، وإنما تكشف صداماً حول معيار المساءلة داخل الحزب نفسه: هل تنطبق القاعدة التنظيمية ذاتها على الجميع، أم أن موقع المسؤول داخل القيادة يجعل المساءلة السياسية أكثر تعقيداً؟ لكن هنا ينبغي التمييز بوضوح بين فتح تحقيق أو ورود شكاية وبين ثبوت المسؤولية أو الإدانة، والمعطيات المتداولة تتحدث عن ادعاءات وتحقيقات، ولا يجوز تحويلها إلى أحكام نهائية قبل انتهاء المساطر المختصة.
وبالتالي، فإن جوهر النقاش السياسي لا ينبغي أن يكون إصدار الأحكام، وإنما سؤال آخر أكثر دقة: إذا كان الحزب قد اتخذ في حالات سابقة قرارات تنظيمية احترازية في سياقات قضائية، فما المعيار الذي يحدد متى تُفعّل هذه الآلية ومتى لا تُفعّل؟ هذا السؤال هو الذي يضع القيادة أمام اختبار الشفافية التنظيمية، من دون مصادرة عمل القضاء أو استباق نتائجه.
أحد أبرز مؤشرات الأزمة، بحسب الجريدة المذكور، يتمثل في عدم دعوة كمال صبري إلى الاجتماع الأخير للمكتب السياسي، رغم أن الموقع الرسمي للحزب ما يزال يدرجه ضمن أعضاء الجهاز القيادي.
وهنا تظهر مفارقة تنظيمية لافتة: إذا كان الرجل لا يزال عضواً في المكتب السياسي بحسب الموقع الرسمي، فلماذا لم تتم دعوته إلى اجتماعه الأخير؟ وإذا كان قرار التجميد لم يصدر بعد، فما الأساس التنظيمي الذي بُني عليه هذا الغياب؟
أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تصبح ذات وزن سياسي عندما يتعلق الأمر بحزب يقف أمام مرحلة إعادة ترتيب داخلي بعد انتخابات لم تمنحه النتائج التي كان يطمح إليها.
المفارقة الأخرى أن قيادة التجمع الوطني للأحرار، بعد اجتماع مكتبها السياسي في 30 شتنبر، أعلنت استعداد الحزب للمشاركة في الحكومة المقبلة، وأحالت الحسم النهائي في هذا الخيار إلى المجلس الوطني المقرر انعقاده يوم 3 أكتوبر.
أي أن الحزب يتحرك على مستويين في الوقت نفسه، خارجياً: مشاورات حول موقعه في الحكومة المقبلة، وداخلياً: نقاش حاد حول حصيلة الانتخابات والمسؤوليات التنظيمية والسياسية التي ترتبت عنها.
وهذا يجعل معالجة الخلاف الداخلي أكثر إلحاحاً، لأن الحزب لا يملك رفاهية الدخول إلى مرحلة سياسية جديدة وهو يحمل معه أسئلة لم تحسم داخل مؤسساته.
إذا كانت قيادة الحزب تتجه فعلاً إلى تجميد عضوية صبري بسبب مواقفه، فإن السؤال السياسي الذي سيطرح نفسه سيكون بسيطاً: هل الخلاف يتعلق بمضمون الانتقادات التي وجهها، أم بطريقة طرحها، أم بخرقه قواعد تنظيمية محددة؟ أما إذا كان صبري قد تجاوز فعلاً مقتضيات النظام الداخلي، فمن الطبيعي أن تكون هناك مسطرة واضحة وقرار معلل.
لكن إذا كان جوهر الخلاف هو مجرد طرح أسئلة محرجة حول نتائج الانتخابات ومسؤولية القيادة، فإن المشكلة تصبح أكبر من عضوية رجل واحد، لأن الأحزاب السياسية لا تُقاس فقط بقدرتها على تنظيم الحملات الانتخابية، وإنما أيضاً بقدرتها على مناقشة نتائجها بصراحة، والاستماع إلى النقد الداخلي، ومراجعة الاختيارات عندما تكشف صناديق الاقتراع حدودها.
التجمع الوطني للأحرار دخل مرحلة جديدة بعد انتقال القيادة إلى محمد شوكي خلفاً لعزيز أخنوش، وهو ما يجعل أي توتر داخلي بعد الانتخابات أكثر حساسية بالنسبة إلى مستقبل التنظيم.
والموقع الرسمي للحزب يقدم المكتب السياسي باعتباره جهازه التنفيذي، فيما ينص تنظيمه على انتخاب عدد من أعضائه من طرف المجلس الوطني، ما يجعل مسألة العضوية والانضباط الحزبي مرتبطة بقواعد تنظيمية يفترض أن تكون واضحة لجميع أعضائه.
لذلك، فإن قضية كمال صبري، إن تطورت إلى قرار رسمي، لن تكون مجرد قصة عضو وقيادة، ستكون اختباراً لمدى قدرة القيادة الجديدة على إدارة الخلاف الداخلي دون تحويله إلى أزمة مؤسساتية، وعلى التمييز بين الانضباط التنظيمي وحق القيادات والأعضاء في طرح الأسئلة السياسية.
الانتخابات انتهت، لكن الأسئلة لم تنته، لماذا تراجعت نتائج الأحرار؟ هل كانت هناك أخطاء في اختيار المرشحين أو إدارة الحملات؟ هل تتحمل اللجنة الانتخابية داخل الحزب جزءاً من المسؤولية؟ هل كانت هناك ملفات أضرت بصورة الحزب؟ وهل تمتلك القيادة الشجاعة التنظيمية لفتح تقييم حقيقي، أم أن أسهل طريق هو البحث عن أسماء تتحمل وحدها فاتورة الخلاف؟
أما قضية كمال صبري، فستحسمها في النهاية المؤسسات الحزبية والقرارات الرسمية، لا التسريبات ولا التكهنات، لكن الأهم من مصير عضوية شخص واحد هو أن يبقى السؤال السياسي مطروحاً: هل يستطيع حزب الأحرار أن يحاسب نفسه بنفس الصرامة التي يطالب بها خصومه، وأن يحول صدمة الانتخابات إلى مراجعة داخلية حقيقية بدل أن تتحول إلى معركة لتصفية الحسابات؟
فالمشكلة، في النهاية، ليست في عضو قد يُجمَّد أو قيادة قد تُنتقد، المشكلة تبدأ عندما يصبح السؤال ممنوعاً، والنقد تهمة، والمساءلة امتيازاً لا يطال إلا من يوجد خارج دائرة القرار.
تعليقات الزوار