على من يضحك أخنوش؟ المتقاعدون في صدارة مالية 2027 قبل أسابيع من الانتخابات

هبة زووم – الرباط
بعد سنوات من الانتظار، وفي وقت لم يعد يفصل الحكومة عن نهاية ولايتها والاستحقاقات التشريعية المقبلة سوى أسابيع قليلة، اكتشف رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن المتقاعدين وتحسين دخلهم والحوار الاجتماعي ينبغي أن يتصدروا أولويات مشروع قانون المالية لسنة 2027.
المفارقة وحدها كافية لفتح باب واسع من الأسئلة: لماذا الآن؟ ولماذا في نهاية الولاية الحكومية؟ وهل يتعلق الأمر فعلاً بقرار اجتماعي نابع من رؤية مستدامة، أم بمحاولة متأخرة لاستعادة ثقة فئات اجتماعية عريضة قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع؟
فوفق التوجيهات الواردة في المنشور التأطيري لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، تضع الحكومة تحسين أجور ودخل المتقاعدين في القطاعين العام والخاص، إلى جانب مواصلة الالتزامات المرتبطة بالحوار الاجتماعي، ضمن الملفات ذات الأولوية.
وهو توجه لا يمكن، من حيث المبدأ، إلا أن يثير اهتمام ملايين المغاربة الذين ظل ملف التقاعد والقدرة الشرائية بالنسبة إليهم عنواناً دائماً للانتظار والقلق، خصوصاً في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة وتراجع القدرة الفعلية للدخل على مواجهة المصاريف اليومية، لكن المشكلة ليست في الحديث عن المتقاعدين، بل في توقيت الحديث عنهم.
فالحكومة التي أمضت سنوات في تدبير الشأن العام، وتوفر لها خلال ولايتها ما يكفي من الوقت والآليات والموارد لبلورة إجراءات اجتماعية واضحة، تختار اليوم، وهي تقترب من مغادرة المشهد الحكومي، أن تضع تحسين دخل المتقاعدين في مقدمة أولويات مالية السنة المقبلة.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا لم يكن هذا الملف في مقدمة الأولويات منذ بداية الولاية؟ ولماذا ينتظر المتقاعد حتى اللحظات الأخيرة ليسمع مجدداً عن تحسين دخله؟
المتقاعد المغربي لا يحتاج إلى منشور تأطيري جديد حتى يعرف حجم معاناته، هو يعرفها من فاتورة الماء والكهرباء، ومن أسعار المواد الغذائية، ومن تكاليف العلاج، ومن ارتفاع مصاريف الحياة اليومية، ولذلك فإن ما يهمه ليس موقع ملفه في وثيقة حكومية، وإنما كم سيضاف فعلياً إلى معاشه، ومتى، وبأي آلية؟ والأمر نفسه ينطبق على الحوار الاجتماعي.
فالحكومة تقدم الحوار الاجتماعي باعتباره خياراً استراتيجياً، بينما يظل السؤال الحقيقي متعلقاً بمدى تنفيذ الالتزامات السابقة، وبمصير الملفات التي ظلت عالقة، وبالنتائج التي وصلت فعلياً إلى الموظفين والأجراء والمهنيين.
لا أحد يعارض الحوار الاجتماعي، بل إن الحاجة إليه أصبحت أكبر في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب. لكن الحوار لا يمكن أن يتحول إلى طقس موسمي يظهر بقوة كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، ثم يخفت حضوره بعد انتهاء الاقتراع، والأخطر أن تتحول عبارة “الدولة الاجتماعية” إلى شعار انتخابي أكثر منها سياسة عمومية قابلة للقياس.
فالدولة الاجتماعية لا تُقاس بعدد البلاغات والمنشورات والتصريحات، وإنما بما يلمسه المواطن في دخله، وفي صحته، وفي التعليم، وفي الشغل، وفي الحماية الاجتماعية، وفي قدرته على مواجهة الأسعار.
أما أن تكتشف الحكومة، في نهاية ولايتها، أن المتقاعدين يحتاجون إلى تحسين دخلهم، وأن الحوار الاجتماعي يحتاج إلى مواصلة الالتزامات، وأن سوق الشغل يحتاج إلى تحديث تشريعاته، فهذا يفتح الباب أمام تساؤلات سياسية لا يمكن تجاهلها.
هل نحن أمام رؤية اجتماعية متأخرة، أم أمام محاولة لترميم الصورة قبل الانتخابات؟ وحتى لا يتحول الأمر إلى مجرد اتهام سياسي، فإن الجواب يجب أن تقدمه الأرقام والإجراءات لا التصريحات.
فإذا حملت مالية 2027 زيادات حقيقية وملموسة في معاشات المتقاعدين، وحددت مصادر تمويلها وآليات تنفيذها وآجالها، وإذا جرى تنفيذ الالتزامات الاجتماعية وفق جداول واضحة وقابلة للمراقبة، فإن الحكومة ستكون قد قدمت جواباً عملياً على منتقديها.
أما إذا بقيت العناوين كبيرة، بينما التفاصيل غائبة، والتمويل غير واضح، والآجال مفتوحة، فإن المغاربة سيكونون أمام نسخة جديدة من الوعود التي تزداد قيمتها في الخطاب كلما اقترب موعد الانتخابات، والحال أن ملف المتقاعدين تحديداً لا يحتمل المزايدات.
فهذه فئة أفنت عقوداً من عمرها في العمل، وتنتظر في نهاية المسار المهني أن تجد الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة. ولا ينبغي أن يتحول تحسين معاشاتها إلى ورقة تستخرج من أدراج الحكومة كلما اقترب موعد انتخابي.
كما أن الأجراء والموظفين والمهنيين الذين ينتظرون نتائج الحوار الاجتماعي لا يريدون “حواراً من أجل الحوار”، وإنما اتفاقات واضحة، والتزامات محددة، وتنفيذاً لا يخضع للحسابات السياسية.
أما تحديث قوانين الشغل وإصلاح منظومة التكوين المهني، فهي أوراش ضرورية فعلاً، لكن ضرورتها كانت قائمة منذ بداية الولاية، وستبقى قائمة بعدها. ولذلك فإن تقديمها اليوم باعتبارها أولويات جديدة لا يعفي الحكومة من سؤال الحصيلة: ماذا تحقق خلال السنوات الماضية؟ وماذا بقي معلقاً؟ ولماذا؟
في النهاية، لا تكفي الحكومة أن تقول إنها تريد ترسيخ “الدولة الاجتماعية”. المواطن هو من يقرر إن كانت هذه الدولة موجودة فعلاً، والمتقاعد هو من سيحكم عليها عندما يرى معاشه، والأجير عندما يقبض أجره، والعاطل عندما يجد فرصة عمل، والأسرة عندما تواجه مصاريفها الشهرية، أما الانتخابات، فليست مناسبة لإعادة اكتشاف مطالب المواطنين، ولا منصة لتوزيع الوعود في الوقت بدل الضائع.
ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: ماذا وعد أخنوش في مالية 2027؟ بل: لماذا انتظر حتى اللحظات الأخيرة من عمر حكومته ليضع المتقاعد والحوار الاجتماعي في صدارة الأولويات؟
الجواب لن يكون في المنشور التأطيري، وإنما في الأرقام التي ستُرصد، والقوانين التي ستُعتمد، والزيادات التي ستصل إلى جيوب المتقاعدين، والالتزامات التي ستتحول من ورق إلى واقع، ففي السياسة، كما في المالية، الوعود لا تُقاس بحجمها، وإنما بما يبقى منها بعد انتهاء الانتخابات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد