هل أصبح الشارع يتصدر مرجعيات سلوكاتنا ؟!

عبد اللطيف مجدوب

 إشكالة عامة

من الملاحظ أن مؤسسات تربوية عديدة بالمغرب خفتت أدوارها ، إن لم نقل بضمورها وتحولها ؛ في المحكي اليومي العادي ؛ إلى ركن الماضي ” كان .
.
كنا .
.
كانت الواليدا .
.
كانت المدرسة .
.
كانت اجامع .
.
كان الإعلام .
.
.
كانت السلطة .
.
كان الأمن .
.
.
كان الحبس .
.
.
الخ ” .

وسائل التواصل الاجتماعي ، عادت لتلتهم جل أوقاتنا ، بينما تراجع استهلاك القنوات الفضائية ؛ حسب إحصائيات الهاكا ؛ إلى المرتبة الثانية بعد الهواتف الذكية ، والأجهزة اللوحية الإلكترونية .
ويحق لنا أن نتساءل ، كم هي فترات الفراغ ، وفي أي المجالات يتم تصريفها ؟ وأخيرا : هل عادت للمؤسسات التربوية دور ؛ في خضم غزو وسائل الميديا لعقور بيوتنا ؛ ؟ ومن أين نستلهم أفكارنا ومواقفنا .
.
؟

    انحسار دور المؤسسات التربوية

هناك مؤسسات تربوية عديدة ذات أدوار فاعلة .
.
لم يعد لها ذلك الوهج الذي تميزت به بالأمس كالأسرة والمدرسة والمسجد ، والميديا والنادي .
.
.
الخ .
ابتلعتها أدوات العولمة الجارفة ، فبدا دورها باهتا وميتا بالكاد .
فالمجتمع المغربي ؛ وبمختلف فئاته ؛ انتقل ؛ ومنذ أكثر من جيلين ؛ إلى مجتمع بالتقريب يستلهم ، ويسترشد ، ويستفتي أحيانا أطرافا افتراضية على النت ، في مجالات حيوية ، ويتلقى أجوبة تخترق الحدود ، والفواصل في شكل أشرطة فيديو قصيرة ، تعفيه من عناء القراءة الحرفية فينجرف لتأثيراتها وبالتالي يحيلها إلى مداركه ليستبطنها ، ويتخذها مرجعية في استلهام مواقفه وسلوكاته بدون روية !  وتنطبق هذه الظاهرة على عديد من الشباب الذين لا يجدون أمامهم فرص لعرض أفكارهم بقصد بسطها ومناقشتها وتقييمها .

    اكتساح المقاهي للشوارع

بالنظر إلى ضمور دور الثقافة والأندية أو انعدامها بالكاد ، يجد جمهور عريض من المغاربة ؛ وبمختلف فئاتهم وأعمارهم ؛ المقهى لهم بالمرصاد أنى حلوا وارتحلوا .
.
فشوارع جل المدن المغربية مؤثثة بدور المقاهي كفضاء اجتماعي ، يتخذ منه جل رواده وسيلة لتزجية الوقت ، أو تبادل المسموعات والمرئيات ” والمجربات ” ، والمغامرات ، بلغة حادة وساخرة ومدعاة للتهكم ؛ درجة العقلانية فيها تكاد تصل إلى 10 تحت الصفر .
ويكاد دور المقهى ؛ بين الجماهير المغربية ؛ يمتص آراء ومواقف الإنسان المغربي تجاه الأحداث والوقائع اليومية ؛ المسموعة منها والمرئية والمعيشية ؛ يفضي بها إلى الآخرين للتدليل على حادث معين ، أو سياقها كمبرر لموقف ما لتنتهي حلقاتها دوما بقناعة مضمرة جاهزة خالية من إعمال العقل أو إخضاعها لمنطق ، أو البحث في تداعياتها ، وهذا يمكن تسميته تحديدا بثقافة الرصيف ، أو ثقافة المقاهي Culture of Coffee shop.

ونكاد نجزم باعتبار المقهى خزانا اجتماعيا ؛ بالدرجة الأولى ؛ للمجريات اليومية ، كما يروج للغة دارجية مستقاة ؛ في مصادرها ؛ كما تمت ملاحظته ؛ عبر مدد زمنية ؛ من المؤسسات السجنية ، والمعتقلات الخاصة ، يتم ترويجها على نطاق واسع ـ في الحي والشارع والمقهى ـ وأحيانا تتسرب حتى إلى داخل الأسر فتلتقطها آذانها ؛ في تواصلها داخل المنزل وخارجه .

    لغة الشارع والمقهى

يلاحظ الباحث السوسيولوجي تداول لغة دارجة ؛ تظهر بعبارات جديدة كل وقت وحين ، لتحل محل القديمة ، وترجع في مصادرها كما تمت الإشارة إليه إلى جهات عديدة ومعقدة على رأسها المؤسسات السجنية ؛ كما تمت الإشارة إليه ؛ والجلسات الحميمية التي يتميز بها التعاطي للمخدرات .
ويمكن سياق عينة من هذه الأساليب اللغوية الدارجة على ألسنة الكثيرين :

* آلعموم/آعمي/آعمو * يالله تْلاح * تشرميل ومشتقاتها * آلعزْوا * آنافا لعدس * آلعشير * نتقاشعو : نتشاوفو*حتى وزا :لا شيء * شريه سلات * باراكا من البيانص : الخداع * نمرا واش من نمرا : قدحية

      هذه العينة من الكلام الدارج ؛ عادة ما تتبناه وسائل التواصل الاجتماعي ، وتعمل على نطاق واسع بين شرائح من الشباب لتلتقطها فئات عمرية أخرى حتى تصير جزءا من لغة الشارع ؛ خصوصا في الحواضر الكبرى ، وإن كانت بطيئة في امتدادها إلى مناطق سكنية أقل اكتظاظا .

الدارجة تقتحم قبة البرلمان

كم هي الجلسات ؛ داخل البرلمان بغرفتيه ؛ التي يتم فيها التراشق بين فريق وآخر أو نائبين/مستشارين ؟ بلغة دارجة تستمد سياقاتها من ثقافة الشارع ؛ لا باللغة القدحية كما تشي عبارة ” الكلام الزنقوي ” أو ” كْلام الزنقا ” ، ولكن بلغة عنيفة ذات حمولة شعبية دارجة ؛ أحيانا تسقط في تعابير منفرة تكاد تنتفي عنها سمة الاحترام المتبادل ، ومغيبة لحرمة المؤسسة بوصفها أكبر مؤسسة تشريعية في البلاد ، والتي تحث الأخلاق والقيم والتقاليد على الترويج ؛ داخلها ؛ للغة تتماشى وروح التشريع الدستوري .

غياب الشارع من المناهج التعليمية

مناهجنا التعليمية ؛ في السلكين الأساسي والتأهيلي ؛ تكاد كتبها المدرسية لا بالنسبة للمدرس ولا المتعلم تخلو من استحضار مؤشرات الواقع الاجتماعي ، خصوصا الثقافة الشعبية التي يروج لها الشارع ، أو الثقافة الدارجة بقصد تمحيص لقطات منها وتحليلها وتقييمها في ضوء القيم الإنسانية النبيلة ، وصفاء اللغة .
وضمن هذا السياق ، يمكن تطعيم المنهاج التعليمي بأشرطة سمعبصرية Audio-visuelle  مستقاة من الواقع المعيشي ، لتعويد المتعلم/الطالب على إعمال عقله ، واعتياد توظيف أدوات نقدية بسيطة قابلة لدعمها وترسيخها عبر مقروءات ومشاهدات ترصد له خلال حصص الدعم والتقوية والمراقبة المستمرة .

* باحث ومفتش منسق بوزارة التربية الوطنية سابقا

   

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد