صفقات جهة سوس ماسة تحت المجهر.. شبهات العمولات وجودة المشاريع تطرحان سؤال حماية المال العام

هبة زووم – أكادير
بين انتظارات التنمية ومخاوف تبديد المال العام، تبرز أسئلة حارقة حول تدبير الصفقات العمومية بجهة سوس ماسة، ومدى احترام قواعد المنافسة والشفافية، وجودة المشاريع المنجزة بأموال دافعي الضرائب.
فحين تظهر عيوب البنية التحتية بعد مدة قصيرة من إنجازها، أو تتكرر أشغال الإصلاح في المواقع نفسها، يصبح من المشروع المطالبة بكشف الكلفة الحقيقية للمشاريع، وكيفية إسنادها، والجهات التي تتحمل مسؤولية مراقبة تنفيذها.
وتتداول أوساط مهتمة بالشأن المحلي اتهامات بشأن احتمال وجود تضارب للمصالح وشبكات وساطة في بعض الصفقات، إلى جانب مزاعم عن دفع عمولات مقابل الفوز بطلبات العروض.
وهي ادعاءات خطيرة، إن ثبتت بالأدلة، فإنها لا تمس فقط مبدأ تكافؤ الفرص بين المقاولات، بل تضرب الثقة في المؤسسات وتحوّل الاستثمار العمومي من أداة للتنمية إلى مجال محتمل للريع واستغلال النفوذ. غير أن إثبات هذه الممارسات يظل رهيناً بوثائق ومعطيات دقيقة، لا بمجرد الاتهامات المتداولة.
وتكمن خطورة أي اختلال محتمل في منظومة الصفقات في أن كلفته لا تتوقف عند المبالغ التي تصرفها الجهة، بل تمتد إلى جودة المنشآت وسلامة المواطنين واستدامة الخدمات.
فإذا جرى تقليص جودة المواد أو احترام المعايير التقنية على حساب الكلفة الحقيقية للإنجاز، فإن النتيجة قد تكون طرقاً تتدهور سريعاً، ومنشآت تحتاج إلى إصلاحات متكررة، ومشاريع تستنزف ميزانيات إضافية كان من المفترض توجيهها إلى مناطق أخرى في حاجة إلى التجهيز وفك العزلة.
ولا يتعلق الأمر هنا بإصدار أحكام مسبقة على صفقات بعينها، وإنما بطرح أسئلة تفرضها مسؤولية تدبير المال العام: هل تخضع المشاريع المنجزة بالجهة لمراقبة تقنية مستقلة وفعالة؟ وهل يجري تتبع مدى مطابقة الأشغال لدفاتر التحملات؟ وما الإجراءات المتخذة عند رصد عيوب في الإنجاز؟ وهل يتم تفعيل الضمانات القانونية في مواجهة المقاولات التي لا تحترم التزاماتها؟
كما يظل من الضروري الكشف عن مدى احترام المنافسة في طلبات العروض، ونشر المعطيات المتعلقة بالشركات الفائزة وقيمة الصفقات وآجال التنفيذ والتعديلات التي قد تطرأ على العقود، فكلما كانت هذه المعلومات متاحة وقابلة للتدقيق، تقلص هامش الغموض، وأصبح من الممكن التمييز بين الاختلالات المثبتة والمزاعم التي تحتاج إلى تحقيق.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية إخضاع الصفقات التي تحوم حولها شبهات جدية لعمليات افتحاص ومراقبة، مع إحالة ما قد تكشف عنه من مخالفات على الجهات المختصة، وترتيب المسؤوليات وفق نتائج التحقيقات.
كما أن دور المؤسسات الرقابية لا ينبغي أن يقتصر على رصد التجاوزات المالية، بل يتعين أن يشمل تقييم جودة الإنجاز ومدى تحقيق المشاريع للأهداف التنموية التي بررت برمجتها وتمويلها.
فجهة سوس ماسة، بما تعرفه من تفاوتات مجالية وحاجات متزايدة إلى البنيات التحتية والخدمات الأساسية، ليست في حاجة إلى مشاريع تُعلن أرقامها في المناسبات ثم تُترك جودتها موضع تساؤل، بل إلى استثمارات تحقق نتائج ملموسة وتخضع للمحاسبة منذ مرحلة طلب العروض إلى غاية التسلم النهائي.
وفي نهاية المطاف، فإن حماية المال العام لا تتحقق بالشعارات ولا بتبادل الاتهامات، وإنما بالشفافية ونشر الوثائق والمراقبة الفعلية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وإذا كانت هناك بالفعل ممارسات غير قانونية في تدبير بعض الصفقات، فإن كشفها ومحاسبة المتورطين فيها واجب مؤسساتي؛ أما إذا كانت الاتهامات تفتقر إلى الأدلة، فإن توضيح الحقائق يظل ضرورياً لحماية سمعة المؤسسات وضمان حق الرأي العام في المعلومة.
ويبقى السؤال المطروح أمام مجلس جهة سوس ماسة والجهات المشرفة على الصفقات العمومية واضحاً: ما الضمانات العملية التي تكفل نزاهة إسناد الصفقات، وجودة المشاريع، وحماية كل درهم من المال العام من الهدر أو الاستغلال غير المشروع؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد