حزب أخنوش خارج أغلبية المنصوري.. سقوط سياسي أم إعادة تموقع بعد تجربة حكومية مثيرة للجدل؟

هبة زووم – جمال البقالي
في تحول سياسي يعيد رسم خريطة التحالفات الحزبية بالمغرب، أعلنت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة، التوصل إلى اتفاق لتشكيل أغلبية حكومية رباعية تضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، في خطوة وضعت حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة السابقة برئاسة عزيز أخنوش، خارج التركيبة الجديدة.
ووفق البلاغ الصادر يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، تتوفر الأحزاب الأربعة مجتمعة على 207 مقاعد بمجلس النواب، متجاوزة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً.
الحدث لا يتعلق بمجرد تغيير في أسماء الأحزاب المشاركة في الحكومة، بل بتحول لافت في موقع حزب انتقل من قيادة الجهاز التنفيذي إلى خارج الأغلبية المعلنة، وهو تطور يفتح الباب أمام مساءلة سياسية تتجاوز الحسابات العددية، لتطال حصيلة التجربة الحكومية السابقة، وطبيعة التحالفات التي حكمتها، ومدى قدرة قيادة التجمع الوطني للأحرار على تدبير مرحلة ما بعد السلطة التنفيذية.
أخنوش خارج الأغلبية.. نهاية مرحلة أم بداية اختبار صعب؟
طوال الولاية الحكومية السابقة، كان التجمع الوطني للأحرار في قلب القرار التنفيذي، مستنداً إلى تحالف جمعه بالأصالة والمعاصرة والاستقلال. غير أن المشهد تغير مع إعلان المنصوري عن أغلبية جديدة اختارت ضم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، وهما حزبان كانا ضمن المعارضة خلال المرحلة السابقة، مقابل غياب الحزب الذي ترأس الحكومة المنتهية ولايتها.
هذا التحول يفرض سؤالاً سياسياً مباشراً: لماذا لم يستمر التحالف السابق بالتركيبة نفسها؟ وهل كان الأمر نتيجة حسابات تفاوضية مرتبطة بتوزيع المسؤوليات، أم تعبيراً عن رغبة في إعادة ترتيب موازين القوى وتقديم صيغة حكومية مختلفة؟
البلاغ المعلن عن الأغلبية تحدث عن التقارب الفكري والسياسي بين مكوناتها، وعن استحضار التجارب الحكومية السابقة ومتطلبات المرحلة المقبلة، لكنه لم يقدم تفسيراً مباشراً لأسباب غياب التجمع الوطني للأحرار. ولذلك، فإن الحديث عن إقصاء متعمد أو خلاف حاسم بين الأطراف يظل محتاجاً إلى تصريحات ومعطيات موثقة، لا إلى مجرد استنتاجات مبنية على تركيبة التحالف.
ومع ذلك، فإن النتيجة السياسية واضحة: الحزب الذي كان في واجهة التدبير الحكومي لم يعد جزءاً من الأغلبية المعلن عنها. وهذه وحدها كافية لفتح نقاش جدي حول موقعه الجديد، وخياراته المقبلة، وما إذا كان سيعيد بناء حضوره من موقع المعارضة أم سيتجه إلى مراجعة أوسع لأدائه السياسي والتنظيمي.
هل دفع الحزب ثمن حصيلة الحكومة السابقة؟
لا يمكن فصل هذا التحول عن النقاش العمومي الذي رافق التجربة الحكومية السابقة، بما شهده من مطالب اجتماعية واقتصادية، وانتقادات لسياسات حكومية في ملفات القدرة الشرائية والتشغيل والخدمات العمومية.
فالحزب الذي قاد الحكومة يتحمل، بحكم موقعه، مسؤولية سياسية عن القرارات والاختيارات التي دافع عنها خلال ولايته، حتى إن كانت بعض الملفات من اختصاص قطاعات أو مؤسسات متعددة.
ومن هنا، فإن خروج الأحرار من الأغلبية يطرح سؤال الحصيلة قبل سؤال الحقائب: ماذا قدم الحزب خلال قيادته للحكومة؟ وإلى أي حد استطاع الوفاء بالالتزامات التي ارتبطت ببرنامجه الانتخابي؟ وهل نجح في إقناع المواطنين بأن السياسات المعتمدة حققت تحسناً ملموساً في حياتهم اليومية؟
هذه الأسئلة لا تعني أن غياب الحزب عن الأغلبية الجديدة يمثل، في حد ذاته، حكماً نهائياً على أدائه، لكنها تفرض عليه مواجهة النقاش بشأن حصيلته بشفافية، وتقديم أجوبة واضحة عن القرارات التي اتخذها، والنتائج التي تحققت، والإخفاقات التي تستوجب المراجعة.
كما أن المحاسبة السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى تصفية حسابات بين الأحزاب، بل إلى فرصة لتقييم التجربة الحكومية السابقة بأرقام ومؤشرات قابلة للتحقق، تشمل التشغيل والاستثمار والأسعار والصحة والتعليم، مع تحديد مسؤوليات مختلف المتدخلين بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات.
المنصوري تعيد ترتيب الأوراق.. لكن هل يكفي تغيير التحالف؟
اختارت المنصوري صيغة رباعية تجمع حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر نتائج الانتخابات التشريعية، بحزب الاستقلال، إلى جانب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية.
ويمنح هذا التحالف قاعدة برلمانية من 207 مقاعد، لكنه يضع مكوناته أمام تحدي تحويل التوافق السياسي إلى برنامج حكومي منسجم وقابل للتنفيذ.
غير أن تغيير مكونات الأغلبية لا يضمن، وحده، تغييراً في أساليب التدبير أو تحقيق نتائج أفضل. فالمواطنون لا ينتظرون مجرد إعادة توزيع للمواقع الحكومية، ولا يعنيهم كثيراً من يحتل هذا المنصب أو ذاك بقدر ما تعنيهم السياسات التي ستنعكس على فرص العمل وجودة المدرسة العمومية وتوفر العلاج والقدرة على مواجهة تكاليف المعيشة.
كما أن ضم أحزاب كانت في المعارضة إلى الأغلبية الجديدة يطرح أسئلة حول مدى قدرتها على الانتقال من موقع النقد إلى موقع المسؤولية، وكيف ستتعامل مع الملفات التي سبق أن انتقدت تدبيرها، وما إذا كانت ستقدم بدائل عملية أم ستكتفي بتغيير موقعها داخل المشهد السياسي.
وتبقى المعايير التي أعلن عنها بلاغ الأغلبية، من قبيل الكفاءة والنزاهة والاستقامة والانسجام، التزامات تحتاج إلى ترجمة فعلية في اختيار المسؤولين، وتحديد الأولويات، وإرساء آليات للمحاسبة والتقييم. فالاختبار الحقيقي لا يبدأ عند الإعلان عن التحالف، بل عند تقديم البرنامج الحكومي والشروع في تنفيذه.
خارج الحكومة.. هل ينجح الأحرار في إعادة التموضع؟
بالنسبة إلى عزيز أخنوش، فإن المرحلة المقبلة تفرض إعادة تحديد موقع الحزب داخل البرلمان والمشهد السياسي. فالانتقال من قيادة الحكومة إلى خارج الأغلبية يعني فقدان المشاركة المباشرة في القرار التنفيذي، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية الحضور السياسي للحزب أو تراجع تأثيره في جميع المؤسسات.
وسيظل أداء التجمع الوطني للأحرار في المرحلة المقبلة مرتبطاً بقدرته على تقديم تقييم واضح لتجربته الحكومية، وتجديد خطابه السياسي، وتحديد طبيعة معارضته إن اختار هذا المسار.
كما أن موقعه الجديد سيضعه أمام اختبار المصداقية: هل سيقدم نقداً يستند إلى بدائل واقعية، أم سيكتفي بالدفاع عن حصيلته السابقة ومواجهة خصومه السياسيين؟
وفي المقابل، لا ينبغي للأغلبية الجديدة أن تعتبر خروج الأحرار انتصاراً سياسياً كافياً في حد ذاته؛ إذ إن نجاحها سيقاس بمدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها وتحسين الأداء الحكومي، لا بمجرد اختلاف تركيبتها عن التحالف السابق.
الامتحان أمام الجميع.. المسؤولية لا تسقط بتغيير الأغلبية
إن التحول الذي كشف عنه إعلان الأغلبية الرباعية يفتح صفحة جديدة في التحالفات الحكومية، لكنه لا يعفي أي طرف من مسؤوليته السياسية. فالأحرار مطالبون بتوضيح حصيلة تجربتهم، والأحزاب الأربعة مطالبة بإثبات أن التغيير في التركيبة سيقود إلى تغيير ملموس في النتائج، بينما يظل المواطن في انتظار سياسات تتجاوز الشعارات والوعود.
أما السؤال عما إذا كان أخنوش قد تلقى أولى الضربات السياسية، فتجيب عنه الوقائع بقدر محدد: حزبه أصبح خارج الأغلبية الحكومية المعلنة بعد أن قاد الحكومة السابقة. لكن تحديد ما إذا كان ذلك يمثل تراجعاً سياسياً مستداماً، أو مجرد انتقال إلى موقع جديد، يحتاج إلى متابعة مواقفه المقبلة وأدائه الحزبي والبرلماني.
وفي نهاية المطاف، فإن العبرة ليست في من يربح جولة التحالفات ومن يخسرها، بل في مدى قدرة المؤسسات والأحزاب على تحويل التنافس السياسي إلى خدمة عمومية أفضل، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقديم حصيلة واضحة للمغاربة.
فالمناصب تتغير والتحالفات تتبدل، لكن الأسئلة المرتبطة بالقدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم لا تنتظر نهاية المشاورات ولا تمنح أي أغلبية مهلة مفتوحة لتبرير تعثرها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد