طانطان.. خلف علب السمك المصدّرة معاناة عاملات وأسئلة محرجة حول السلامة والتلوث

هبة زووم – طانطان
على بعد نحو 26 كيلومتراً من الساحل، تبرز بمدينة طانطان واحدة من القضايا التي تستحق فتح نقاش جدي حول العلاقة بين الاستثمار الصناعي وحقوق العاملات وحماية البيئة، فخلف النشاط الاقتصادي الذي تمثله وحدات تصبير السمك، تتراكم أسئلة بشأن ظروف العمل، وشروط السلامة المهنية، وتدبير المخلفات الصناعية، ومدى انعكاس العائدات الاقتصادية على الساكنة المحلية.
وبين أهمية قطاع الصناعات البحرية في توفير فرص الشغل وتحريك الاقتصاد المحلي، والمطالب المتزايدة بتحسين ظروف العمل والحد من الآثار البيئية، يبرز تحدٍّ أساسي: كيف يمكن الحفاظ على النشاط الصناعي دون أن تتحول كلفته الاجتماعية والصحية والبيئية إلى عبء تتحمله العاملات وسكان المدينة؟
إنها معادلة لا يمكن حسمها بالشعارات، بل تستدعي معطيات دقيقة حول ظروف الإنتاج، ومستوى احترام القوانين المنظمة للشغل، ومدى التقيد بالمعايير البيئية، وطبيعة المراقبة التي تخضع لها هذه الوحدات.
العاملات في قلب الإنتاج.. والحقوق في صلب المساءلة
تُشكل النساء العاملات إحدى الدعائم الأساسية للعملية الإنتاجية داخل قطاع تصبير السمك، حيث يرتبط استمرار النشاط اليومي لهذه الوحدات بجهد بشري متواصل يتطلب الدقة والسرعة والقدرة على تحمل ظروف العمل داخل فضاءات صناعية ذات متطلبات خاصة.
لكن أهمية هذه اليد العاملة تفرض طرح أسئلة واضحة بشأن الأجور، وساعات العمل، والتغطية الاجتماعية، والتصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ومدى توفير معدات الوقاية والتكوين الضروري للتعامل مع مخاطر المهنة.
فلا يمكن الحديث عن تنمية صناعية مستدامة إذا ظل تقييم نجاح الاستثمار مقتصراً على حجم الإنتاج والمبيعات، من دون إدراج ظروف العاملات وحقوقهن ضمن مؤشرات الأداء. كما لا يجوز أن تتحول الحاجة إلى فرص الشغل في مدينة مثل طانطان إلى مبرر للتساهل مع أي إخلال محتمل بمعايير العمل اللائق.
والأخطر أن هشاشة الوضع الاجتماعي قد تجعل بعض العاملات أقل قدرة على الاعتراض على ظروف العمل أو المطالبة بحقوقهن، خوفاً من فقدان مصدر الرزق، وهي فرضية تستوجب التحقق من خلال شهادات مباشرة، ومعطيات نقابية، ومحاضر تفتيش الشغل، بدل الاكتفاء بالتوصيف العام.
إن المطلوب ليس التشكيك في القطاع برمته، بل إخضاع شروط العمل فيه للمراقبة والتقييم، وضمان أن يكون احترام كرامة العاملات جزءاً أساسياً من تكلفة الإنتاج، لا تفصيلاً ثانوياً يمكن تجاوزه تحت ضغط المنافسة وتقليص النفقات.
المخلفات الصناعية.. سؤال البيئة الذي لا يحتمل التأجيل
إلى جانب الملف الاجتماعي، يبرز البعد البيئي باعتباره أحد أكثر جوانب القضية حساسية. فالصناعات المرتبطة بتحويل المنتجات البحرية قد تنتج مخلفات عضوية ومياهاً مستعملة وروائح مرتبطة بعمليات الإنتاج والتخزين، ما يجعل تدبيرها ومعالجتها وفق المعايير القانونية ضرورة لحماية المحيط والساكنة.
وفي طانطان، يطرح الجدل حول الروائح والمخلفات الصناعية مطلب الحصول على معطيات موضوعية بشأن طرق معالجة النفايات السائلة والصلبة، ومدى احترام الوحدات المعنية للضوابط البيئية، ونتائج عمليات المراقبة التي تجريها الجهات المختصة.
ولا يكفي في هذا السياق تبادل الشكاوى أو إطلاق الاتهامات؛ فالحسم يقتضي نشر نتائج القياسات البيئية، وتوضيح طبيعة المخلفات وطرق التخلص منها، والتحقق من مدى مطابقة المنشآت للتراخيص والمعايير المعتمدة.
كما أن أي أضرار محتملة على صحة السكان أو البيئة يجب أن تُقيّم بناءً على معطيات علمية وتقارير مختصة، مع تحديد المسؤوليات عند ثبوت المخالفات. فحماية البيئة ليست موقفاً ضد الاستثمار، بل شرط أساسي لاستمراره بصورة مسؤولة تحترم حق السكان في محيط سليم.
نقل المعامل إلى الوطية.. حل أم ملف يحتاج إلى دراسة؟
في خضم هذه النقاشات، يتصاعد مطلب نقل الوحدات الصناعية من محيط طانطان إلى منطقة الوطية، بالقرب من الساحل، باعتباره خياراً قد يتيح إعادة تنظيم النشاط الصناعي وتوفير فضاءات ملائمة للبنيات التحتية والتدبير البيئي.
غير أن نقل المعامل لا ينبغي أن يُطرح باعتباره حلاً سحرياً لجميع الإشكالات، لأن نجاحه يتوقف على دراسة تقنية وبيئية واضحة، وتحديد كلفة الانتقال، وتوفير التجهيزات اللازمة لمعالجة المخلفات، وضمان استمرار فرص الشغل وعدم تحميل العاملات تبعات أي تغيير في مواقع الإنتاج.
كما يتعين توضيح وضعية العقار والتجهيزات، والجهة التي ستتحمل كلفة التهيئة، والجدول الزمني المقترح، ومدى توفر المنطقة المستقبلة على شروط السلامة والربط بالبنيات التحتية الضرورية.
فإذا كان النقل سيؤدي إلى تحسين ظروف العمل وتقليص الأثر البيئي، فإن ذلك يستدعي برنامجاً معلناً بمراحل واضحة وضمانات اجتماعية للعاملات. أما إذا اقتصر الأمر على نقل المشكلة جغرافياً من دون معالجة أسبابها، فلن يكون سوى تغيير للموقع مع استمرار الاختلالات نفسها.
من المسؤول عن المراقبة؟ وأين نتائجها؟
إن تعدد الأسئلة المطروحة يجعل تدخل الجهات المعنية ضرورة ملحة، وفي مقدمتها مصالح تفتيش الشغل والسلطات المحلية والجهات المكلفة بمراقبة البيئة والصحة والسلامة المهنية.
ويظل من حق الرأي العام معرفة ما إذا كانت الوحدات الصناعية المعنية تخضع لعمليات مراقبة منتظمة، وما إذا سُجلت بشأنها مخالفات أو شكاوى، وما التدابير التي اتُخذت لمعالجتها.
كما أن إشراك ممثلي العاملات والنقابات والمهنيين والهيئات البيئية يمكن أن يساهم في بناء صورة دقيقة عن واقع القطاع، بعيداً عن الأحكام المسبقة.
وتتطلب المعالجة الجدية فتح قنوات لتلقي شكاوى العاملات، وضمان عدم تعرضهن لأي ضغط بسبب التبليغ عن المخالفات، وإجراء تقييم مستقل للأثر البيئي عند الاقتضاء، ونشر خلاصاته للرأي العام مع احترام القواعد القانونية.
التنمية الحقيقية لا تُقاس بالإنتاج وحده
إن وحدات تصبير السمك تمثل نشاطاً اقتصادياً مهماً، لكن أهمية الاستثمار لا تعفيه من الالتزام بالقانون، كما أن الحاجة إلى فرص الشغل لا تبرر المساس بالحقوق أو التساهل مع المخاطر البيئية.
وتحتاج طانطان اليوم إلى نقاش عملي يجمع بين الحفاظ على فرص العمل، وتحسين شروط الإنتاج، وضمان حقوق العاملات، وحماية البيئة، بدل وضع هذه الأولويات في مواجهة بعضها بعضاً.
ويبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من الجدل العام إلى الوقائع الموثقة: أجور وظروف عمل واضحة، ومراقبة مهنية وبيئية منتظمة، ومعالجة فعالة للمخلفات، وخطة معلنة بشأن مطلب نقل المعامل إلى الوطية إذا أثبتت الدراسات جدواه.
فلا تنمية مستدامة تقوم على يد عاملة لا تتمتع بحقوقها، ولا استثمار مسؤول يمكنه تجاهل البيئة التي يحتضن نشاطه، وبين كرامة العاملات وحق الساكنة في محيط سليم، تُقاس جدية السياسات العمومية وقدرة الجهات المعنية على جعل التنمية الاقتصادية مكسباً مشتركاً، لا عبئاً اجتماعياً وبيئياً.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد