هبة زووم – الرباط
وضع الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي ملفات الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح وريع المأذونيات في صلب نقاشه حول محاربة الفساد وحماية المال العام، معتبراً أن تفعيل آليات المحاسبة واسترجاع الحقوق لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما عبئاً مالياً على الدولة، بل فرصة لتجفيف منابع الريع ووضع حد لاستغلال النفوذ لتحقيق مكاسب خاصة.
وفي تدوينة اتسمت بنبرة نقدية حادة، دعا اليحياوي إلى تجريم الإثراء غير المشروع، والتصدي لتضارب المصالح، وفتح ملف المأذونيات، مع إعمال مبدأ المحاسبة والعقاب في حق كل من ثبت تورطه في تجاوزات تمس المال العام أو تستغل موقع المسؤولية لتحقيق منافع غير مستحقة.
ويرى الباحث أن هذه الإجراءات يمكن أن تسهم في تعزيز موارد الخزينة، ليس عبر فرض أعباء جديدة على المواطنين، وإنما من خلال التصدي لممارسات يعتبر أنها أتاحت لفئات معينة تراكم الثروات والاستفادة من امتيازات لا تستند، بحسب انتقاده، إلى معايير واضحة من الإنصاف والاستحقاق.
وجّه اليحياوي انتقاداً لاذعاً لمن وصفهم بالمستفيدين من تحايلات على القانون لاستباحة المال العام، كما انتقد وضعيات تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع مواقع النفوذ والقرار، بما قد يجعل المسؤول، في بعض الحالات، طرفاً في السوق وجهة مؤثرة في القواعد المنظمة لها في الوقت نفسه.
وتطرح هذه الملاحظة إشكالية تضارب المصالح باعتبارها إحدى النقاط الحساسة في تدبير الشأن العام؛ إذ إن الجمع بين النفوذ العمومي والمصلحة الخاصة قد يفتح الباب أمام قرارات تمنح امتيازات غير متكافئة، أو تضعف المنافسة، أو تجعل المصلحة العامة في مرتبة ثانوية أمام الحسابات الشخصية.
ومن هنا، فإن مواجهة هذه الاختلالات لا تقتصر على الخطاب الأخلاقي، بل تستلزم قواعد واضحة للتصريح بالمصالح، والوقاية من تضاربها، ومراقبة الصفقات والامتيازات، والتحقيق في حالات الاشتباه، وترتيب الجزاءات القانونية متى ثبتت المخالفات.
ومن بين الملفات التي طالب اليحياوي بإعادة فتحها، ملف المأذونيات، منتقداً استفادة أشخاص من مداخيل مهمة، وفق ما أورده في تدوينته، على أساس الانتماء أو القرب من أصحاب النفوذ أو الروابط العائلية والاجتماعية.
ويعيد هذا الطرح إلى الواجهة سؤال معايير منح الامتيازات المرتبطة باستغلال بعض الخدمات والموارد، ومدى خضوعها لمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص وربط الاستفادة بالحاجة والاستحقاق، بدل ترك المجال أمام شبكات النفوذ والامتيازات غير المتكافئة.
غير أن معالجة هذا الملف تقتضي التمييز بين الاستفادة القانونية من مأذونية وبين أي استغلال غير مشروع أو منح قائم على المحاباة، فالمحاسبة الجادة لا تقوم على التعميم أو التشهير، وإنما على فحص طرق منح الامتيازات، وتتبع المستفيدين منها، والتحقق من احترام القواعد القانونية، وترتيب المسؤوليات بناءً على الأدلة.
وفي جانب آخر من تدوينته، شدد اليحياوي على أن النفوذ والمكانة الاجتماعية والروابط العائلية لا ينبغي أن تتحول إلى مظلة تحمي من المساءلة، محذراً من أن محاولات إخفاء التجاوزات قد لا تصمد أمام انكشاف الوقائع وتداولها على نطاق واسع، خصوصاً في ظل تنامي دور شبكات التواصل الاجتماعي في إثارة قضايا الشأن العام.
ويذهب الباحث إلى أن الصورة الاجتماعية للمسؤول لا تنفصل عن سلوكه في تدبير المسؤولية العامة، وأن فقدان الثقة والسمعة قد تكون لهما كلفة سياسية وأخلاقية كبيرة، حتى عندما يحاول المعني بالأمر الإنكار أو التشكيك في الاتهامات الموجهة إليه.
لكن دور وسائل التواصل، مهما كانت أهميته في كشف قضايا تستحق التحقيق، لا يمكن أن يحل محل القضاء أو أن يجعل الاتهامات المتداولة دليلاً كافياً للإدانة، فالتشهير لا يساوي المحاسبة، والانتشار الواسع لاتهام لا يثبت صحته تلقائياً، وتقتضي حماية المال العام ضمان التحقيق المستقل، وقرينة البراءة، وحق الدفاع، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون.
تتمثل الرسالة الأساسية في تدوينة اليحياوي في أن محاربة الفساد ليست مجرد شعار سياسي أو إجراء إداري، بل اختبار لقدرة المؤسسات على إخضاع الجميع للقواعد نفسها، بصرف النظر عن مواقعهم أو علاقاتهم أو حجم ثرواتهم.
فإذا ثبتت مخالفات مرتبطة بالإثراء غير المشروع أو استغلال النفوذ أو تضارب المصالح، فإن تفعيل القانون واسترداد الأموال المستحقة، حيثما كان ذلك ممكناً قانوناً، يمكن أن يحمي موارد الدولة ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات، كما أن وضع حد للامتيازات غير المبررة يساهم في ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص وتقليص الشعور بأن القرب من السلطة قد يكون طريقاً مختصراً إلى الثروة.
وبذلك، يضع اليحياوي ملف الريع والامتيازات أمام سؤال سياسي وأخلاقي مباشر: ما جدوى الحديث عن ترشيد النفقات وتعبئة الموارد إذا ظلت مصادر الهدر واستغلال النفوذ خارج دائرة التدقيق والمحاسبة؟
إن إنهاء هذا الوضع، وفق المنطق الذي تدافع عنه تدوينته، يقتضي الانتقال من الوعود العامة إلى إجراءات قابلة للقياس، تشمل مراجعة الامتيازات، وتعزيز الشفافية، ومراقبة تضارب المصالح، والتحقيق في مصادر الثروات المشبوهة وفق القانون، واسترجاع المال العام عند ثبوت الاستحقاق.
فالرهان الحقيقي ليس إسقاط الأشخاص عبر حملات التشهير، بل بناء منظومة لا تسمح بتحويل المسؤولية العمومية إلى وسيلة للإثراء، ولا تجعل النفوذ بديلاً عن القانون، وتضمن أن تكون المحاسبة مبنية على الأدلة وتطبق على الجميع دون انتقائية أو محاباة.
تعليقات الزوار