حين تصبح مدينة الناظور عقاراً للبيع: من يحمي ذاكرة السكان من زحف الإسمنت؟

هبة زووم – الناظور
في الناظور، لا يتعلق الأمر فقط بعمارات ترتفع هنا أو مشاريع عقارية تظهر هناك، بل بسؤال أكبر بكثير: أي مدينة نريد أن نبني، ولمن تُبنى؟ فمع تسارع التحولات العمرانية والعقارية، يبرز نقاش متزايد حول مصير الأحياء القديمة، ومستقبل الأسر التي عاشت لعقود داخل المدينة، وحدود التوازن بين الاستثمار العقاري وحق السكان في مدينة تحفظ لهم السكن الكريم والفضاءات العمومية والذاكرة الجماعية.
وفي ظل ولاية العامل جمال الشعراني، تبرز هذه الأسئلة بقوة، ليس لأن العامل مسؤول بشكل مباشر عن كل مشروع عقاري، وإنما لأن السلطة الترابية توجد في صلب منظومة التدبير والتنسيق والمراقبة، ما يجعلها معنية بالإجابة عن سؤال أساسي: هل يتحول الاستثمار إلى غاية في حد ذاته، أم يبقى وسيلة لخدمة التنمية والسكان؟
فالمدينة ليست مجرد قطعة أرض قابلة للتجزئة، ولا مجرد واجهة عقارية يمكن تسويقها في الإعلانات. المدينة أيضاً ذاكرة، وأحياء، وعلاقات اجتماعية، وأرصفة تحمل آثار أجيال كاملة.
وحين تختفي المنازل القديمة لصالح مشاريع جديدة، فإن الخسارة لا تقاس فقط بعدد الأمتار المربعة التي تغير استعمالها، بل أيضاً بما يختفي معها من ملامح اجتماعية وثقافية.
لكن المشكلة الأكثر حساسية تبدأ عندما تصبح التنمية العمرانية مرتبطة بإبعاد الأسر ذات الدخل المحدود نحو أطراف المدينة، في مقابل ارتفاع قيمة العقار داخل المناطق الأكثر جاذبية.
هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل يستفيد السكان الأصليون فعلاً من ارتفاع قيمة عقارات مدينتهم، أم يتحولون تدريجياً إلى ضيوف داخل فضاءات ترتفع كلفتها يوماً بعد آخر؟
فالاستثمار العقاري يمكن أن يكون رافعة للتنمية، ويوفر السكن وفرص الشغل ويخلق موارد اقتصادية، لكن ذلك لا يعني أن كل مشروع عمراني هو بالضرورة مشروع تنموي ناجح.
التنمية الحقيقية تقاس أيضاً بما تتركه من أثر اجتماعي: هل تحافظ على التوازن المجالي؟ هل توفر السكن اللائق؟ هل تراعي البنية التحتية؟ هل تضمن المساحات الخضراء؟ هل تحمي الملك العمومي؟ وهل تمنع نشوء مدينة بطبقتين، واحدة للميسورين وأخرى تدفع تدريجياً نحو الهامش؟
أما الأرصفة والفضاءات العمومية، فلا ينبغي أن تتحول إلى مجرد هوامش في معادلة الاستثمار، فالملك العمومي ملك للمواطن، وأي تدبير له يجب أن يخضع للقانون وللمصلحة العامة، لا لمنطق الربح وحده.
والناظور، التي عرفت خلال السنوات الماضية تحولات عمرانية واقتصادية متسارعة، تحتاج اليوم إلى نقاش عمومي صريح حول مستقبلها. ليس المطلوب محاربة المستثمرين، ولا تجميد حركة البناء، وإنما فرض معادلة واضحة: استثمار نعم، ولكن في إطار الحكامة والعدالة المجالية وحماية حقوق السكان.
كما أن السلطة الترابية مطالبة بأن تجعل من التخطيط الحضري أداة لحماية المدينة، لا مجرد مواكبة للواقع بعد حدوثه، فكل مشروع جديد ينبغي أن يُقرأ ضمن صورة المدينة الكبرى: النقل، المدارس، المستشفيات، الطرق، الماء، التطهير، المساحات الخضراء، والقدرة الشرائية للسكان.
لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث لأي مدينة هو أن تبدو جميلة في الصور، بينما تصبح الحياة داخلها أكثر صعوبة بالنسبة إلى سكانها، قد ترتفع الأبراج، وتلمع الواجهات، وتزداد قيمة العقارات، لكن ذلك كله لا يكفي لصناعة مدينة ناجحة، فالمدينة التي تخسر سكانها وذاكرتها وفضاءاتها العمومية، قد تربح في بورصة العقار، لكنها تخسر شيئاً أهم: روحها.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يرافق كل مشروع عمراني في الناظور ليس فقط: كم تبلغ قيمته؟ ومن سينجزه؟ وكم ستتغير أسعار العقارات بعده؟
بل السؤال الأهم: ماذا سيضيف إلى حياة السكان؟ ومن سيدفع كلفة هذا “التطور”؟ فالناظور ليست لوحة إشهارية لمشروع عقاري، ولا رقماً في دفتر استثمار. إنها مدينة يسكنها مواطنون لهم حق في التنمية، لكن لهم أيضاً حق في أن تبقى مدينتهم لهم، والتحدي الحقيقي أمام السلطات والمنتخبين والمستثمرين ليس بناء مدينة أكثر لمعاناً، وإنما بناء مدينة أكثر عدلاً.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد