كيف تصبح خِبْرَاطورا … ؟؟؟

فاضل أبو آية

يَلزمُكَ قلم جاف وضمير أجف، وسنوات من الاعتقال وأشهر من التجربة الميدانية ، وافتتاحية مستأجرة، لتصبح رئيس تحرير أكبر جريدة في البلاد.

لتصبح صحفيا مشهورا يلزمك أن تفكر بعفوية، أن تناقش بمهنية، وأن تكتب بتبعية.
ينبغي أن تهادن ساعة الشدة، وأن تداهن وقت الفتنة، وأن تجامل لحظة الحاجة.
فالحقيقة في عالم الصحافة ليست مطلقة والمبادئ تبقى نسبية، والثابت يتحرك باستمرار كلما تحركت المصالح والغايات.

تلزمك بذلـة سوداء إيطالية مع ربطة عنق وردية، سيجار كوبي منقوع بعرق العذارى لتفتح في وجهك أفخم فنادق البلاد وأرقى مطاعمها مادام المظهر يغني عن الجوهر.

تلزمك فصاحة المتنبي وسلاطة لسان الحطيئة، وجرأة الحجاج لتصبح خطيبا لا يشق له غبار، ومناضلا يقام له أشد اعتبار.

تَلزَمُكَ مرجعية ليبرالية وفكر تقدمي، ومبادئ راديكالية، لكن قبل هذا وذاك تلزمك أيادٍ من حديد تكسِّر أعتى طاولات الاجتماعات، وصوت جهور يعلو كل الأصوات لتنقش إسمك كأشهر معارض في أقصى يمين اليسارية.

تلزمك جبهة عريضة تسبق طلعتك البهية ، وعينان جاحظتان ونظارتان فوق أرنبة أنف معقوف، وبطن منتفخة مع شارب كث، لتصبح ألمع نقابي يقتحم الإجتماعات ويحدد لوحده مسار المفاوضات، وفي قطاع الشغل يجدد معنى العلاقات، وفي آخر المطاف تجده يعمق الفجوات بين الطبقة الشغيلة و أرباب المقاولات.

يلزمك أن تكون رصيدا بنكيا كيفما كان مصدره، فكل شيء مباح في زمن الانفتاح، وكذا رصيدا معرفيا كافيا في خرائطية الأحياء وطبوغرافية المداشر والحارات، ودراسة بسيطة لفن الخداع والمداهنات ، يلزمك نظرة عن كثب لعائلة فقيرة ، قبلة حانية بأدب على جبين طفلة يتيمة، تلزمك عينان تذرفان دموع التماسيح أو لسانا غارقا في بحر التسابيح ، حتى تلج البرلمان في أمن وأمان .

يلزمك دبلوم عال ٍ من مدرسة القناطر ودراية سطحية بالقوانين الدولية والمساطر، لتصبح سفيرا سيئا للنوايا الحسنة.

يلزمك تاريخ مزور من النضال، ومقامات في الخطابة والنقد والجدال، لتنضم إلى زمرة اللاهثين ضد مصلحة وطني.

يلزمك أن تستغل قضية وطنية، أو مسألة قومية لتصطاد في مياه عكرة، ما تسميهم أعداء الوحدوية، ولتروج لوطنيتك الوطنية على المنابر الإعلامية.

يلزمك حفنة من ذوي المصالح الشخصية، وبعض الشخصيات ذوي الصلاحيات المنتهية، لتنشق عن حزبك الذي آواك، وتؤسس حزبا جديدا ينضم إلى سلسلة الأحزاب القادمة من الخلف ، مادام الكل يؤمن بالتعددية الحزبية.

يلزمك دراسة نمطية لفقه المذاهب، واستظهار لألفية مالك وروايات مجاهد، لتصبح المرجع الأسمى، والمفتي الأعلى لفقه النوازل، في زمن تطاول فيه الفقيه والسفيه على الفتوى، باسم مبدأ التيسير.

تلزمك شهادة سينمائية شرقية، روسية أو أوكرانية، وسيناريو بكلمات سوقية وإيحاءات جنسية، ليرشح عملك لجائزة الأوسكار في زمن انهارت فيه القيم والأخلاق، باسم حرية التعبير.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد