هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في مشهدٍ صارخ يُجسد تحوّلًا دراميًا في وظيفة الإعلام المحلي، تعيش مدينة بني ملال اليوم فصلاً عبثيًا عنوانه “الصحافة في خدمة البروتوكول”.
ففي الوقت الذي يُفترض أن تلعب فيه الصحافة دور سلطة رابعة، رقابية، مستقلة، ناقدة، نجد بعض “المتطفلين على المهنة” وقد تحولوا إلى جوقة تُصفّق، تُصوّر، وتُروّج، دون أن تطرح سؤالًا أو تُحرّك ساكنًا.
الصحافة التي كانت تُعرف بدورها في مساءلة السلطة، ونقل نبض الشارع، تحوّلت إلى ما يشبه السيرك المتنقل، مهرّجون بالكاميرات، وراقصون بالكلمات، يتنقلون بين الفعاليات الرسمية بتهافت فجّ، قبل حتى أن يصل الوالي أو القائد، وكأنهم في سباق محموم نحو “السبق الفارغ”.
لا أسئلة تُطرح، لا تحليلات تُقدم، فقط كاميرات وهواتف مرفوعة في كل الاتجاهات، يُنتجون “فيديوهات” بعناوين مضلّلة من قبيل: “شاهد ماذا قال الوالي قبل أن يربت على كتف هذا المواطن”، أو “انظر كيف ابتسم القائد عندما حيّاه أحد السكان!”، محتوى فارغ، يُشبه ما تنتجه بعض المنصات التجارية التي تستثمر في التفاهة أكثر مما تستثمر في الحقيقة.
الولاية، كمؤسسة رمزية ومركزية، تحوّلت بدورها إلى “بلاط إعلامي”، يتحلق حوله من يسمّون أنفسهم ملحقين إعلاميين، لا تربطهم بالمهنة لا شرف الممارسة ولا أدواتها، ربطة عنق رخيصة، قميص مهترئ، وهاتف ذكي يكفي لتصبح “صحافيًا معتمدًا” في عرف المشهد الحالي.
الوالي لا يتحرك دون هذه “الحاشية الرقمية”، توثق أنفاسه، خطواته، وحتى سُعاله، كما لو أنه نجم على السجادة الحمراء في مهرجانٍ سينمائي، الكل يبتسم، يصفق، يُعلق، ولا أحد يُفكر، يُحلل، أو حتى يُدقق، صورة نمطية لما يُسمى إعلام القرب، لكنه في الواقع إعلام الزحف.
بعيدًا عن جلد الذات، فإن ما يحدث في بني ملال يعكس أزمةً مركبة؛ أزمة مهنة يُداس على كرامتها يوميًا، وأزمة مسؤولين اعتادوا محيطًا بلا ضجيج نقدي.
إعلام وظيفته الوحيدة تلميع الصورة، وتكرار ما يُقال، لا ما يُخفيه الواقع، والأخطر من ذلك أن هذا النمط من “التغطية الملوّنة” بات يُعوّل عليه من طرف السلطات لتكوين انطباع زائف عن أداء المؤسسات.
فمن يوقف هذا الانحدار؟ من يُعيد للصحافة احترامها؟ من يضع حدًا لتحوّل بعض المنابر إلى ماسحي أحذية السلطة بدل أن تكون صوت الناس في وجه كل سلطة؟ إن ما يجري في بني ملال ليس استثناء، لكنه نموذج مفضوح لحالة من التدجين الإعلامي الذي يهدد مصداقية المهنة ومستقبلها.
الصحافة ليست “خدمة” في جدول أعمال المسؤولين، وليست “صورة جماعية” بعد التدشينات، إنها مسؤولية أخلاقية أولًا، ومهمة رقابية ثانيًا، وما لم تعِ السلطة هذا المعطى، وما لم يتحرّك الجسم الصحفي المهني لتنظيف صفوفه من “المهرجين الرقميين”، فإن بلاط بني ملال سيظل يعجّ بمن يصوّرون السعال ويجهلون السؤال.
تعليقات الزوار