الرشيدية: 2000 قفة رمضانية وتزكية برلمانية على ظهر الفقراء وصمت السلطات!

هبة زووم – الرشيدية
قبل أشهر من موعد الاستحقاقات التشريعية، لم يبدأ العد التنازلي نحو البرامج الانتخابية أو المشاريع التنموية، بل نحو توزيع “البونات”، ففي إقليم الرشيدية، اختزل حزب التجمع الوطني للأحرار معادلة الفوز البرلماني في عملية توزيع 2000 قفة رمضانية على 10 جماعات، في مشهد وصفته فعاليات مدنية بـ”الاستمالة المباشرة” و”شراء الذمم المعلن”.
بين بون بقيمة 200 درهم ومقعد برلماني ثمين، تبدو المعادلة واضحة، لكن الثمن الحقيقي قد تدفعه الديمقراطية نفسها، فبينما يُفترض أن تكون “القفة الرمضانية” أداة للتضامن الاجتماعي والتخفيف من معاناة الأسر الهشة، تحولت في واقع الرشيدية إلى ورقة مساومة وأداة استمالة تُوزع عبر قوائم مُسبقة، في انتهاك صارخ لكرامة الفقير وروح الشهر الكريم.
التزكية على ظهر الفقراء وبرلماني يُسابق الزمن
في مشهد غير مسبوق، يتجلى التحرك الحزبي في توزيع هذه القفف بخطى حثيثة في مجموعة من أحياء الرشيدية، حيث يقود العملية برلماني الحزب بشكل منفرد، يسارع الخطى لضمان تزكية حزبه لخوض الانتخابات التشريعية في شتنبر القادم.
هذا التسارع الانتخابي المُبكر يطرح إشكاليات جوهرية تُحرج الحزب والحكومة معاً: كيف يمكن التمييز بين العمل الخيري والحملة الانتخابية بينما تُوزع المساعدات باسم الحزب؟ وأين هي حياد الإدارة التي يفترض أن تمنع استغلال المنصب البرلماني لأغراض دعائية؟ ولماذا لا تُعلن الوزارة الوصية عن ضوابط توزيع المساعدات الرمضانية لمنع تسييسها؟
فتحويل العمل الإنساني إلى ورشة انتخابية لا يُهدد فقط مصداقية العمل الاجتماعي، بل يُرسّخ ثقافة السياسة الموسمية التي تظهر فقط قرب الانتخابات وتختفي بعدها، مستخدمةً فقر المواطنين كـ”سلعة للمساومة”.
2000 بون بـ200 درهم: أرقام تُدين الديمقراطية
يقوم الحزب بتوزيع أزيد من 2000 بون بقيمة 200 درهم للبون الواحد، طالت 10 جماعات يسيرها الحزب بإقليم الرشيدية، مع تخصيص 200 حصة لكل جماعة.
أرقام أثارت إشكاليات لرؤساء الجماعات في توزيع هذه البونات، وفتحت الباب أمام تساؤلات حول معايير اختيار المستفيدين.
فكيف يتم تحديد المستفيدين الحقيقيين بينما تُوزع البونات بناء على حصص حزبية لا على معايير الحاجة؟ وأين هي شفافية اللائحة التي تمكن الرأي العام من معرفة من استفاد ولماذا؟ ولماذا لا تُعلن الجماعات عن معايير التوزيع لضمان عدالة الوصول للمساعدات؟
فتحويل المساعدة الاجتماعية من حق للمحتاج إلى غنيمة للموالي لا يُهدر فقط المال العام، بل يُعمّق شعور المواطنين بالكرامة المُهانة التي تُحوّل مساعدتهم من حق إنساني إلى منّة انتخابية تُذكر بها في كل استحقاق.
صمت السلطات: تغاضي أم ضعف أمام الحزب الحاكم؟
تساءلت عدة فعاليات مدنية بالرشيدية عن صمت السلطات المحلية بالإقليم وسماحها بمرور هذه العملية دون تدخل، أو حتى حث “فاعل الخير” على الاستتار في توزيعه للقفف، مصداقاً للحديث النبوي “وإن ابتليتم فاستتروا”.
هذا الصمت الإداري يطرح أسئلة استراتيجية تُحاسب المسؤولين قبل المنتخبين: أين هي زيارات المراقبة الميدانية لرجال السلطة لمعاينة طريقة توزيع المساعدات؟ ولماذا لا تُعلن سلطات الرشيدية عن آليات رقابية تضمن نزاهة توزيع القفف الرمضانية؟ وكيف يمكن ضمان حياد الإدارة بينما تُترك الجماعات تُسيّس المساعدات الاجتماعية دون محاسبة؟
فاستمرار الصمت لا يُضعف فقط مصداقية السلطات المحلية، بل يُهدر هيبة الدولة في نظر المواطنين الذين ينتظرون من ممثليها حماية كرامتهم لا استغلال فقرهم.
من العبث إلى المحاسبة الفعلية
لم يعد مقبولاً أن تُترك القفة الرمضانية بالرشيدية رهينة الزبونية الانتخابية والصمت الإداري، وما يحتاجه المواطنون اليوم هو تدخل عاجل من السلطات الإقليمية لمراقبة توزيع المساعدات، وضمان وصولها لمستحقيها الحقيقيين دون تمييز سياسي.
كما يتطلب الأمر شفافية كاملة في نشر لوائح المستفيدين، مع إتاحة قنوات شكاية للإبلاغ عن أي استغلال سياسي، ومحاسبة لكل من يثبت تورطه في تسييس المساعدات الاجتماعية، سواء كان برلمانياً أو منتخباً محلياً أو مسؤولاً إدارياً.
ما تعيشه الرشيدية مع فضيحة قفة الأحرار ليس خلاً ظرفياً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة المحلية وقدرة السلطات على تجاوز عقلية التغاضي لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحرك السلطات بجدية لوضع حد لاستغلال المساعدات الاجتماعية، وضمان شفافية توزيعها، وحماية كرامة الفقراء، وإما أن تستمر ثقافة الاستغلال التي تُحوّل المساعدة الإنسانية من حق للمحتاج إلى غنيمة للموالين.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد