قفة الخضر تتحول إلى “كابوس” والمغاربة بين غلاء فاحش ووعود فارغة!

هبة زووم – الرباط
سجلت أسعار الخضر خلال العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك ارتفاعاً مهولاً، في الوقت الذي كان ينتظر فيه المغاربة انخفاضها استعداداً لعيد الفطر، في مشهد أعاد فتح ملف فوضى الأسعار وضعف المراقبة الذي يُؤرق المواطنين في كل مناسبة دينية أو اجتماعية.
فبينما تُفترض أن تكون العشر الأواخر محطة لتخفيف الأعباء عن الأسر استعداداً للعيد، تحولت أسواق الخضر إلى ساحة مضاربة تُجبر المواطنين على دفع أثمنة خيالية مقابل مواد أساسية كانت في متناول الجميع، في مشهد يطرح سؤالاً وجودياً: أين هي حماية القدرة الشرائية في شهر الرحمة؟ وأي مراقبة هذه التي تترك جشع المضاربين يفترس جيوب المغاربة؟
وصل سعر البصل إلى 14 درهماً للكيلوغرام الواحد، في حين قفز سعر “اللوبيا” إلى 25 درهماً، فيما بلغ سعر “الجلبانة” 13 درهماً، الأمر الذي أثار غضب المواطنين، الذين أصبحوا يجدون صعوبة في اقتناء القفة الرمضانية الأساسية.
وشهدت جميع أنواع الخضر هذه السنة ارتفاعات مهولة، رغم التساقطات المطرية التي عرفتها بلادنا، بعدما وصل سعر الطماطم إلى 8 دراهم والبطاطس إلى 6 دراهم، في حين بلغ سعر “الكرعة” والفلفل 10 دراهم.
هذا الغلاء الفاحش يطرح إشكاليات وجودية: لماذا لا تنخفض الأسعار رغم وفرة الإنتاج بفضل التساقطات المطرية؟ وأين هي هوامش الربح المعقولة التي يفترض أن تحمي المستهلك من جشع الوسطاء؟ وكيف يمكن للأسر محدودة الدخل أن تُعد مائدة رمضان بينما تُضرب أسعار الخضر رقماً قياسياً جديداً كل يوم؟
فأن تحويل المواد الأساسية من حق للمواطن إلى سلعة مضاربة لا يُهدد فقط القدرة الشرائية للأسر، بل يُرسّخ ثقافة الاستغلال الموسمي التي لطالما عانت منها الأسواق المغربية في المناسبات الدينية.
وفي هذا السياق، أكد أحد المهنيين أن أسعار الخضر والفواكه مرتفعة جداً، لكنهم ليسوا المسؤولين عن هذه الزيادات المفاجئة، لأنهم هم بدورهم يشترون صناديق الخضر بأثمنة غالية.
هذا التبرير المهني يطرح أسئلة محرجة: من يتحمل مسؤولية ارتفاع الأسعار في المصدر؟ هل هم المزارعون، أم تجار الجملة، أم المضاربون الذين يحتكرون المنتوج؟ وأين هي شفافية سلسلة التوريد التي تمكن المواطن من فهم كيف تصل الخضر من الحقل إلى المائدة بهذه الأثمنة؟ ولماذا لا تُعلن السلطات الوصية عن أسعار مرجعية يومية لضمان عدالة التسعير في جميع الأسواق؟
فاستمرار الغموض حول آليات تحديد الأسعار لا يُغذي فقط شكوك المواطنين، بل يُهدر ثقتهم في قدرة الدولة على ضبط السوق وحماية قدرتهم الشرائية.
وأضاف، ذات المهني، أن التساقطات التي شهدتها بلادنا مؤخراً ستساهم في انخفاض أسعار الخضر خلال الأيام المقبلة. لكن السؤال المحرج يبقى: لماذا لا تنعكس وفرة الإنتاج فوراً على الأسعار؟
هذا التأخير المشبوه يطرح إشكاليات استراتيجية: هل هناك مضاربون يُخزنون المنتوج لرفع أسعاره في العشر الأواخر والعيد؟ وأين هي لجان المراقبة التي يفترض أن تتدخل لكسر حلقات الاحتكار؟ ولماذا لا تُفعّل العقوبات الرادعة ضد من يثبت تورطه في التلاعب بالأسعار؟
فتحويل التوقعات الإيجابية إلى وعود مؤجلة لا يُهدر فقط فرص تخفيف الأعباء عن المواطنين، بل يُعمّق شعورهم باللامبالاة المؤسسية التي تترك جشع السوق يفوز على حماية المستهلك.
وفي ظل تفاقم غضب المواطنين، يبرز صمت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، ووزارة الداخلية المشرفة على المراقبة، كنقطة ضعف إضافية. فبينما يُفترض أن تتدخل السلطات لضمان عدالة الأسعار، يبدو أن الخيار هو المراقبة من بعيد.
هذا الصمت الإداري يطرح أسئلة محرجة: أين هي الحملات الاستباقية لمنع المضاربة في المناسبات الدينية؟ ولماذا لا تُنشر تقارير يومية حول أسعار الخضر في الأسواق الكبرى لضمان شفافية التسعير؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في مراقبة السوق بينما تستمر الفوضى السعرية في الانتشار؟
لم يعد مقبولاً اليوم أن تُترك أسعار الخضر رهينة مضاربات الوسطاء وصمت المراقبين، ما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن الاقتصادي اليوم هو تدخل عاجل لكسر حلقات الاحتكار ومعاقبة المضاربين الذين يستغلون المناسبات الدينية لرفع الأسعار.
كما يتطلب الأمر نشر أسعار مرجعية يومية للخضر والفواكه في جميع الأسواق، مع تفعيل آليات المراقبة الميدانية لضمان احترامها، بالإضافة إلى شفافية كاملة في سلسلة التوريد، من المزارع إلى المستهلك، لتمكين الرأي العام من فهم آليات تحديد الأسعار.
ويُنتظر أيضاً إطلاق حملة تحسيسية بالممارسات المشبوهة في أسواق الجملة والتجزئة، مع فتح قنوات شكاية مجانية للإبلاغ عن أي تجاوز، مع مراجعة آلية تسعير الخضر لضمان هوامش ربح معقولة تحمي كل من المنتج والمستهلك من جشع الوسطاء.
ما يعيشه المغاربة مع فضيحة أسعار الخضر في رمضان ليس تقلّباً موسمياً عادياً، بل هو اختبار لمصداقية سياسات حماية المستهلك وقدرة الدولة على تجاوز عقلية المراقبة الشكلية لخدمة المصلحة العامة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد