الكنبوري: زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة ومليلية تتجاوز البروتوكول وتعيد ملف المدينتين إلى الواجهة

هبة زووم – الرباط
أعادت تدوينة الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري ملف سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش السياسي والتاريخي، من خلال قراءة اعتبرت أن الزيارة الملكية الإسبانية المرتقبة إلى المدينتين لا تقتصر على بعدها البروتوكولي، بل تحمل رسائل تتصل بموقعهما في الحسابات الاستراتيجية الإسبانية والأوروبية، وبمستقبل النزاع حول السيادة عليهما في سياق العلاقات بين الرباط ومدريد.
ويرى الكنبوري أن الزيارة تأتي في سياق مختلف عن زيارة الملك الإسباني السابق خوان كارلوس إلى المدينتين قبل نحو 19 سنة؛ فبينما ارتبطت الزيارة السابقة، وفق قراءته، بالتأكيد على الطابع الإسباني لسبتة ومليلية، فإن الزيارة الجديدة تحمل، بحسب تحليله، بعداً أوروبياً أوسع، في ظل ما يعتبره توجهاً نحو تقديم المدينتين باعتبارهما جزءاً من العمق الاستراتيجي الأوروبي في الضفة الجنوبية للمتوسط.
وتطرح هذه القراءة سؤالاً يتجاوز رمزية الزيارات الملكية: هل تسعى مدريد إلى تثبيت وضع المدينتين داخل المعادلة الأوروبية، بما يجعل أي نقاش مستقبلي بشأنهما مرتبطاً بمواقف الاتحاد الأوروبي وحساباته الأمنية والاستراتيجية، وليس بالعلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا وحدها؟
ومن أبرز النقاط التي أثارها الكنبوري في تدوينته ربطه بين التحول في الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية، الذي تجسد في دعم مدريد مبادرة الحكم الذاتي سنة 2022، وبين استمرار الخلاف حول سبتة ومليلية. ويذهب الباحث إلى أن إسبانيا ربما تعاملت مع موقفها من الصحراء باعتباره مكسباً استراتيجياً في علاقتها بالمغرب، في وقت لم يُطوَ فيه ملف المدينتين نهائياً.
غير أن الحديث عن وجود مقايضة سياسية مباشرة بين الملفين يظل قراءة تحليلية تحتاج إلى أدلة ووثائق رسمية تثبت وجود اتفاق من هذا النوع؛ فالموقف الإسباني من مبادرة الحكم الذاتي، مهما كانت دلالاته السياسية، لا يثبت وحده وجود تفاهم سري أو علني بشأن مستقبل سبتة ومليلية.
ومع ذلك، فإن طرح الكنبوري يعيد النقاش إلى طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية، التي تتداخل فيها ملفات السيادة والهجرة والأمن والتجارة والتعاون الاقتصادي، وهي ملفات قد تدفع الطرفين إلى اعتماد سياسة الأولويات والتسويات العملية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن المطالب أو حسم القضايا الخلافية.
ويمنح الكنبوري البعد التاريخي والديني مساحة مهمة في تحليله، معتبراً أن سبتة ومليلية تختلفان عن قضية الصحراء من حيث الخلفية التاريخية والرمزية، ويربط النزاع حولهما بإرث الصراع بين العالم الإسلامي وأوروبا المسيحية، وبالدور الذي لعبته الكنيسة في مراحل تاريخية مرتبطة بالتوسع الإسباني.
كما يستحضر نظرية «صدام الحضارات» لصامويل هنتنغتون، ليفسر ما يراه امتداداً للصراع حول حدود النفوذ بين العالم الإسلامي والغرب. وبحسب هذه القراءة، لا تنظر بعض الأوساط الأوروبية إلى المدينتين باعتبارهما مجرد ملف ترابي، بل باعتبارهما جزءاً من معادلة أمنية واستراتيجية أوسع في منطقة المتوسط.
لكن اختزال النزاع في بعد ديني أو حضاري يظل مقاربة قابلة للنقاش؛ فمواقف الدول الأوروبية تتشكل أيضاً بفعل القانون والسياسة والأمن والمصالح الاقتصادية والتحالفات، كما أن اعتبار أوروبا كتلة موحدة في رؤيتها إلى المدينتين يحتاج إلى التمييز بين المواقف الرسمية للدول الأعضاء ومواقف المؤسسات الأوروبية، وبين الاعتبارات القانونية والسياسية التي تحكم كل طرف.
وتكشف تدوينة الكنبوري عن استمرار حساسية ملف سبتة ومليلية في الوعي السياسي المغربي، وعن القلق من أن يؤدي تثبيت حضورهما داخل الحسابات الأوروبية إلى تعقيد أي مسار مستقبلي لتسوية النزاع حولهما، غير أن تقييم دلالات الزيارة يقتضي أيضاً الوقوف على مضمون البرنامج الرسمي، والتصريحات الإسبانية المصاحبة، والمواقف الأوروبية الموثقة، بدل الاكتفاء باستنتاج النيات من الرمزية التاريخية للزيارة.
وفي المحصلة، فإن أهمية هذا النقاش لا تكمن في تحويل الخلاف إلى مواجهة دينية أو حضارية، بل في فهم الأدوات السياسية والدبلوماسية والقانونية التي تتحكم في الملف، وكيفية تدبيره ضمن علاقات المغرب بإسبانيا والاتحاد الأوروبي.
فسبتة ومليلية ليستا مجرد عنوان في سجال تاريخي؛ إنهما ملف سيادي حساس تتداخل فيه الذاكرة والمصالح الاستراتيجية والقانون والعلاقات الدولية، وبين قراءة ترى في الزيارة رسالة أوروبية لتثبيت الوضع القائم، وقراءة تركز على بعدها البروتوكولي والسياسي، يبقى الحكم على دلالاتها رهيناً بما ستكشف عنه المواقف الرسمية والوقائع الموثقة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد