الدار البيضاء: “الفرصة الثانية” بالحي الحسني تعود بأرقام المستفيدين لكن هل تنجح في إنقاذ الشباب من دوامة الهدر المدرسي؟

هبة زووم – الدار البيضاء
في وقت لا يزال فيه الهدر المدرسي يهدد المسار التعليمي لآلاف اليافعين والشباب، عادت عمالة مقاطعة الحي الحسني إلى واجهة المشهد التربوي بإطلاق الموسم الجديد من برنامج «الفرصة الثانية – الجيل الجديد»، في مبادرة ترفع شعار إعادة الإدماج الدراسي والمهني، لكنها تطرح في المقابل سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة هذه البرامج على معالجة جذور الانقطاع عن الدراسة، بدل الاكتفاء باستقبال المنقطعين وتوزيعهم على مراكز التكوين.
وشهد مركز “عبد الله بن ياسين”، يوم الاثنين 5 أكتوبر 2026، الانطلاقة الرسمية للموسم التربوي 2026/2027، بحضور عامل عمالة مقاطعة الحي الحسني، ومدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الدار البيضاء–سطات، والمديرة الإقليمية، إلى جانب مسؤولين وأطر تربوية وممثلي الجمعيات الشريكة وفعاليات المجتمع المدني. وقد شكلت المناسبة فرصة للوقوف على جاهزية المراكز والبرامج الموجهة إلى الشباب الراغبين في استعادة مسارهم الدراسي أو اكتساب مهارات تساعدهم على الاندماج المهني.
لكن خلف الصور الرسمية وأرقام المستفيدين، يظل التحدي الحقيقي أكبر من مجرد إطلاق موسم تربوي جديد؛ إذ لا تقاس نجاعة «الفرصة الثانية» بعدد المراكز المفتوحة أو المستفيدين المسجلين، بل بمدى قدرتها على توفير تكوين جاد، وشهادات ذات قيمة، وفرص فعلية للعودة إلى الدراسة أو الولوج إلى سوق الشغل.
فالشباب الذين غادروا المدرسة لا يحتاجون إلى مقاعد إضافية فحسب، بل إلى مسارات تضمن لهم مستقبلاً مهنياً مستقراً، وتمنع تحول التكوين إلى محطة مؤقتة تنتهي بانتهاء البرنامج.
وبحسب المعطيات المقدمة، يرتقب أن يستفيد نحو 5000 يافع وشاب على مستوى جهة الدار البيضاء–سطات خلال الموسم الحالي، موزعين على 59 مركزاً، فيما خصصت المديرية الإقليمية بالحي الحسني خمسة مراكز لفائدة 470 مستفيداً ومستفيدة، بشراكة مع خمس جمعيات. وهي أرقام تستدعي الكشف عن تفاصيل أكثر بشأن الإمكانات المتاحة، وعدد المؤطرين، والتخصصات المعتمدة، ومدى ملاءمتها مع حاجيات سوق الشغل محلياً.
أما مركز «عبد الله بن ياسين»، فيستقبل 100 مستفيد ومستفيدة، ويوفر تكوينات وورشات تطبيقية تشمل التأهيل في عدد من المهن شبه الطبية. غير أن الرهان لا يكمن في إدراج تخصصات تبدو مطلوبة فحسب، بل في ضمان جودة التكوين، والاعتراف بالمؤهلات المكتسبة، وتوفير جسور حقيقية نحو فرص العمل، حتى لا يجد المستفيدون أنفسهم أمام شهادات أو مهارات لا تفتح لهم أبواب التشغيل.
وتشير الحصيلة المعلن عنها للموسم الماضي إلى أن 82,80 في المائة من المستفيدين تمكنوا من الاندماج في التعليم النظامي أو التكوين المهني أو سوق الشغل. وهي نسبة لافتة، لكنها تظل في حاجة إلى توضيح منهجية احتسابها، وعدد المستفيدين الذين شملهم التقييم، والتوزيع الفعلي بين العودة إلى الدراسة ومواصلة التكوين والحصول على عمل، فضلاً عن معرفة مدى استقرار هذا الإدماج بعد مرور أشهر على انتهاء البرنامج.
فالجمع بين العودة إلى التعليم والالتحاق بالتكوين المهني والاندماج في سوق الشغل ضمن مؤشر واحد لا يكفي وحده لتقييم الأثر الحقيقي للبرنامج، ما لم تُنشر معطيات تفصيلية تسمح بقياس النتائج ومقارنتها بالأهداف المسطرة.
كما أن نجاح هذه المبادرات يظل رهيناً بوجود مواكبة نفسية واجتماعية وتربوية مستمرة، وبقدرة المؤسسات والجمعيات الشريكة على معالجة الأسباب التي تدفع الشباب إلى مغادرة المدرسة، سواء ارتبطت بالهشاشة الاجتماعية أو صعوبات التعلم أو محدودية فرص التوجيه والتكوين. ومن دون تقييم دوري وشفاف، قد تتحول العودة السنوية للبرنامج إلى موعد لتجديد الوعود، من غير أن تتضح بما يكفي حصيلته الفعلية على المدى البعيد.
إن إطلاق الموسم الجديد بالحي الحسني يشكل فرصة لإعادة التأكيد على أهمية توفير مسارات بديلة للشباب المنقطعين عن الدراسة، لكنه يفرض أيضاً الانتقال من منطق الإعلان عن الأرقام إلى منطق نشر النتائج وقياس الأثر. فالمطلوب ليس فقط أن يلتحق الشباب بالمراكز، بل أن يغادروها بمؤهلات معترف بها، وفرص واقعية للاستمرار في التعليم أو الحصول على عمل لائق.
وفي نهاية المطاف، لن يكون نجاح «الفرصة الثانية» رهيناً بحجم الحضور خلال حفل الانطلاقة، بل بما ستقدمه فعلياً للشباب الذين ينتظرون فرصة حقيقية لتغيير مسار حياتهم. فهؤلاء لا يحتاجون إلى وعود موسمية، وإنما إلى تكوين ذي جودة، ومواكبة مستمرة، ونتائج قابلة للقياس والمساءلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد