هبة زووم – الرباط
لم تكن زيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس إلى مدينة سبتة المحتلة، وفق القراءة النقدية التي قدمها الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي، مجرد محطة بروتوكولية عابرة في أجندة القصر الملكي الإسباني، بل مناسبة لإعادة تثبيت رواية مدريد بشأن السيادة على المدينة، في وقت يثير فيه غياب رد فعل مغربي رسمي معلن تساؤلات حول حدود الصمت الدبلوماسي في ملف ظل لعقود عنواناً للخلاف بين البلدين.
وفي تدوينة اتسمت بنبرة سياسية حادة، اختار اليحياوي تفكيك دلالات الزيارة انطلاقاً من عنوان ساخر ومكثف: «زيارة المالك لملكه»، في إشارة إلى الطريقة التي تتعامل بها إسبانيا مع سبتة باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، بينما يظل المغرب متمسكاً بمطالبه التاريخية بشأن المدينتين المحتلتين.
ويضع هذا الطرح الدبلوماسية المغربية أمام سؤال محرج: كيف يمكن تفسير غياب احتجاج علني يوازي رمزية الزيارة وحساسيتها، خصوصاً أن واقعة مماثلة سنة 2007 أثارت توتراً دبلوماسياً بين الرباط ومدريد؟ وهل يتعلق الأمر باختيار محسوب لتفادي التصعيد، أم أن الرأي العام المغربي يحتاج إلى توضيح أكبر بشأن طبيعة المقاربة المعتمدة في تدبير هذا الملف؟
ويرى اليحياوي أن الرسالة الأساسية للزيارة تتمثل في تأكيد إسبانيا أن سبتة جزء من مجالها السيادي، وأن وجودها في المدينة ليس موضوعاً مطروحاً للتفاوض من وجهة نظرها، ومن هذا المنطلق، يقرأ الباحث مشاهد الاستقبال الشعبي والتصريحات المرتبطة بالزيارة باعتبارها عناصر تعزز رواية مدريد وتكرس حضورها السياسي والرمزي في المدينة.
غير أن الإشكال، في نظره، لا يقف عند حدود الموقف الإسباني، بل يمتد إلى طبيعة الرد المغربي، أو غيابه في المجال العلني. فحين تتحرك مؤسسة ملكية أوروبية في مدينة يعتبرها المغرب محتلة، يصبح من المشروع التساؤل عن الرسائل التي تحملها الزيارة، وعن الكيفية التي تتعامل بها الرباط معها.
ولا يعني غياب احتجاج معلن بالضرورة أن المغرب تخلى عن موقفه التاريخي، كما لا يكفي وحده للحكم على خلفيات التدبير الدبلوماسي، لكن غياب التوضيح يترك المجال مفتوحاً أمام التأويلات، ويجعل سؤال الشفافية في التواصل بشأن القضايا الترابية مشروعاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف يمس الذاكرة الوطنية والسيادة.
ويستحضر اليحياوي سابقة زيارة الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول إلى سبتة ومليلية سنة 2007، وما رافقها من احتجاج مغربي وتوتر في العلاقات الثنائية، ليطرح المقارنة مع طريقة التعامل الحالية.
وتكتسب هذه المقارنة أهميتها من كونها تكشف اختلافاً في أسلوب التعاطي العلني مع محطات متشابهة من حيث رمزيتها السياسية، حتى وإن كانت الظروف الإقليمية والدبلوماسية قد تغيرت منذ ذلك الحين.
فالعلاقات المغربية الإسبانية لا تُدار بملف واحد، بل تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والهجرة والتعاون الإقليمي، إلى جانب الخلاف التاريخي بشأن سبتة ومليلية. غير أن تعدد المصالح لا يلغي الحاجة إلى وضوح الموقف من القضايا الترابية، ولا يعفي المؤسسات المعنية من شرح اختياراتها للرأي العام.
وهنا تتجه أسئلة اليحياوي إلى جوهر المسألة: هل الصمت العلني جزء من استراتيجية تفاوضية أوسع، أم أنه يترك الانطباع بأن الطرف الإسباني يتحرك بحرية أكبر في تكريس روايته بشأن المدينتين؟ وما المعايير التي ينبغي اعتمادها لتقييم حصيلة هذا النهج الدبلوماسي؟
ومن أكثر عناصر التدوينة حساسية، حديث اليحياوي عن الزيارة المحتملة للمقبرة التي تضم قبور ضحايا محاولة العبور الجماعي نحو سبتة، وهي المأساة التي أعادت ملف الهجرة إلى الواجهة، وربطت قضية الحدود بمعاناة بشرية قاسية.
فخلف الأرقام المتداولة بشأن الضحايا توجد عائلات تنتظر معرفة مصير أبنائها، وأشخاص فقدوا حياتهم في البحر، وجثامين تحتاج إلى تحديد هويات أصحابها وضمان التعامل معها بما يحفظ كرامتهم وحقوق أسرهم.
ويثير حديث اليحياوي عن دفن ضحايا مغاربة في قبور لا تحمل أسماء أو هويات شخصية أسئلة إنسانية لا تقل أهمية عن الجدل السيادي: ما الجهود المبذولة لتحديد هويات الضحايا؟ وما مصير المطالب المتعلقة بإعادة الرفات إلى أسرهم؟ وهل يجري التنسيق الكافي بين الجهات المعنية لضمان حق العائلات في معرفة الحقيقة؟
وتظل هذه الأسئلة بحاجة إلى معطيات موثقة بشأن عدد الضحايا وهوياتهم وظروف دفنهم، حتى لا تتحول المأساة إلى مجرد تفصيل في السجال السياسي. فكرامة الموتى وحقوق أسرهم لا ينبغي أن تخضعا للحسابات الدبلوماسية، كما أن معالجة الملف الإنساني لا تعني التنازل عن النقاش المتعلق بالسيادة والحدود.
وفي جوهر تدوينته، يحذر اليحياوي مما يعتبره تكريساً تدريجياً للأمر الواقع الإسباني في سبتة، عبر الزيارات الرسمية والتصريحات السيادية والرموز التي تعزز ارتباط المدينة بالمؤسسات الإسبانية، وهي قراءة تعيد طرح سؤال أوسع بشأن قدرة الدبلوماسية على إدارة النزاعات الترابية طويلة الأمد دون أن تتحول إدارة الخلاف إلى قبول ضمني باستمراره على الصورة التي يفرضها الطرف الآخر.
لكن مواجهة هذا الأمر الواقع لا تختزل في إصدار بيانات الاحتجاج وحدها؛ فهي تحتاج أيضاً إلى استراتيجية واضحة، وأدوات دبلوماسية فعالة، وتواصل رسمي يشرح الأهداف والنتائج، مع تجنب التصعيد غير المحسوب الذي قد يضر بالمصالح الوطنية.
ومن هنا، فإن المساءلة التي يثيرها اليحياوي لا ينبغي أن تنحصر في مطالبة الرباط برد فعل آني، بل تمتد إلى سؤال جوهري: ما التصور المغربي طويل الأمد بشأن سبتة ومليلية؟ وكيف تُدار المطالب الترابية في ظل علاقات ثنائية تحكمها المصالح المتبادلة والتوازنات الإقليمية؟
إن زيارة ملك إسبانيا لسبتة، كما يقرأها اليحياوي، أعادت فتح ملف لم يُطوَ، وأظهرت أن الرمزية السياسية قد تكون أحياناً جزءاً من معركة تثبيت الروايات والمواقف. وبين تأكيد مدريد موقفها، وغياب رد مغربي معلن يثير التساؤلات، تبقى الحاجة قائمة إلى نقاش عمومي مسؤول يستند إلى الوقائع، ويطالب بالوضوح والمساءلة، دون أن يخلط بين الصمت الإعلامي والتنازل السياسي.
ففي القضايا المرتبطة بالسيادة، لا يكفي أن تعرف الدولة ما تعتبره حقاً لها؛ بل تظل مطالبة أيضاً بتوضيح كيفية الدفاع عنه، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، والنتائج التي يمكن للرأي العام أن يحاسبها على أساسها.
تعليقات الزوار