مديونة.. اتهامات بالبناء العشوائي وتلاسن داخل المجلس الإقليمي يضعان ملف التعمير تحت المجهر

هبة زووم – الدار البيضاء
في الوقت الذي تنتظر فيه ساكنة إقليم مديونة من ممثليها المنتخبين نقاشاً مسؤولاً حول التنمية المحلية وتحسين الخدمات العمومية، تعود أجواء التلاسن وتبادل الاتهامات داخل المجلس الإقليمي إلى الواجهة، لتطرح علامات استفهام بشأن مستوى النقاش المؤسساتي، وحدود الخلافات السياسية والشخصية داخل مؤسسة يفترض أن تنشغل بقضايا المواطنين لا بالمواجهات الكلامية.
وحسب ما تداولته مصادر إعلامية بشأن الدورة الاستثنائية المنعقدة يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، فقد شهدت أشغال المجلس، الذي يرأسه الحسين الغزالي، تلاسناً بين الرئيس وأحد الأعضاء المنتمين إلى الحزب نفسه، على خلفية اتهامات وجّهها العضو إلى الرئيس بشأن التشجيع على البناء العشوائي والمتاجرة فيه، وهي اتهامات خطيرة تستدعي، بالنظر إلى طبيعتها، التحقق من الوقائع والاحتكام إلى الوثائق والجهات المختصة، بعيداً عن منطق الاتهام المضاد أو تصفية الحسابات.
ووفق المعطيات المتداولة، رد رئيس المجلس نافياً علاقته بالممارسات المنسوبة إليه، ومشيراً إلى أن العقار المعني يعود إلى ملكية والده وأنه يتوفر على التراخيص اللازمة، وبين الاتهام والنفي، يظل السؤال الأساسي مطروحاً: هل يتعلق الأمر بخلاف سياسي وشخصي انفجر داخل دورة للمجلس، أم أن هناك معطيات مرتبطة بالتعمير تستوجب التحقق والتوضيح من الجهات المعنية؟
اتهامات خطيرة لا تحسمها المواجهات الكلامية
إن خطورة ما جرى لا تكمن فقط في التلاسن الذي طبع النقاش داخل مؤسسة منتخبة، بل أيضاً في طبيعة الاتهامات التي جرى تداولها، لارتباطها بملف حساس يهم البناء العشوائي واحترام ضوابط التعمير، وهي قضايا تثير اهتمام الساكنة بالنظر إلى آثارها على التنظيم العمراني، وجودة المجال، ومصداقية تطبيق القانون.
ومع ذلك، فإن توجيه اتهام لا يعني ثبوت المخالفة، كما أن نفي المسؤول لأي علاقة بها لا يغني عن التحقق متى توفرت معطيات جدية تستدعي ذلك. فملكية العقار من طرف أحد أفراد عائلة مسؤول لا تشكل، في حد ذاتها، دليلاً على وجود خرق قانوني، تماماً كما أن القرابة العائلية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإبعاد أي ملف عن المراقبة القانونية إذا ظهرت بشأنه مؤشرات تستوجب الفحص.
ومن هنا، فإن الحسم في هذه القضية لا ينبغي أن يُترك للتأويلات المتداولة أو السجالات السياسية، بل يتطلب التحقق من طبيعة العقار المعني، ووضعه القانوني، ومدى مطابقة الأشغال المنجزة للتراخيص المسلمة، إن وُجدت، فضلاً عن تحديد الجهات المختصة التي يمكنها تقديم توضيحات دقيقة للرأي العام.
فإذا كانت الوثائق القانونية سليمة، فإن إبرازها من شأنه أن يضع حداً للتأويلات غير المستندة إلى أدلة. أما إذا كشفت عمليات التحقق عن مخالفات، فإن القانون ينبغي أن يُطبّق دون انتقائية أو اعتبار للصفة الانتخابية أو الروابط العائلية.
أزمة ثقة تتجاوز حدود دورة استثنائية
إن ما وقع، وفق المعطيات المتداولة، يفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة الممارسة السياسية داخل المجلس الإقليمي لمديونة، وحول ما إذا كانت الخلافات بين بعض المنتخبين باتت تزاحم الملفات التنموية التي يفترض أن تتصدر جدول أعمالهم.
فالمواطن الذي يتابع أشغال المجالس المنتخبة لا ينتظر مشاهد التراشق بالكلام ولا تبادل الاتهامات داخل القاعات، بل يريد أن يعرف ما الذي تحقق من مشاريع، وما الذي تعثر منها، وكيف تُدبّر الموارد العمومية، وما البرامج التي تستجيب لحاجيات الإقليم في مجالات البنيات التحتية والنقل المدرسي والخدمات الاجتماعية وتحسين ظروف العيش.
وحين تتحول أشغال المؤسسات إلى مناسبة لتبادل اتهامات خطيرة دون أن تتبعها توضيحات موثقة أو مساطر تحقق واضحة، فإن الخاسر الأكبر هو الثقة في العمل المؤسساتي.
كما أن استمرار مثل هذه الأجواء يهدد بتحويل النقاش العمومي من البحث عن الحلول إلى الانشغال بالصراعات، في وقت تحتاج فيه مديونة إلى تدبير مسؤول يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.
ولا يكفي، في هذا السياق، أن يكون أعضاء المجلس منتمين إلى الحزب نفسه حتى يُفترض الانسجام بينهم؛ فالاختلاف السياسي مشروع، بل قد يكون ضرورياً لتصحيح الاختلالات، شريطة أن يُمارس في إطار الاحترام والمسؤولية، وأن يستند إلى معطيات قابلة للتحقق، لا إلى عبارات جارحة أو اتهامات تُلقى داخل الجلسات ثم تُترك معلقة في الفضاء العام.
العامل والجهات المختصة أمام مسؤولية التوضيح
في ظل تداول هذه الاتهامات، تبرز أهمية دور السلطات والجهات المختصة في مراقبة احترام قوانين التعمير والتعامل مع أي معطيات جدية وفق المساطر القانونية المعمول بها.
كما تبرز مسؤولية عامل إقليم مديونة، باعتباره ممثلاً للسلطة المركزية بالإقليم، في نطاق اختصاصاته القانونية، في الحرص على احترام القانون وتفعيل آليات المراقبة والتنسيق مع المصالح المختصة عند الاقتضاء.
ولا يعني ذلك إصدار أحكام مسبقة أو التعامل مع الاتهامات المتداولة باعتبارها حقائق ثابتة، بل ضمان ألا تتحول الملفات الحساسة إلى موضوع للسجال السياسي دون أن تجد طريقها إلى التحقق المؤسساتي متى استدعت الوقائع ذلك.
كما أن الشفافية تقتضي من المنتخبين، كلٌّ من موقع مسؤوليته، تقديم توضيحات تستند إلى الوثائق، واحترام قرينة البراءة، وتجنب توظيف القضايا ذات الصلة بالتعمير في تصفية الخلافات الداخلية، فالمسؤولية السياسية لا تعني الإدانة بمجرد تداول الاتهام، لكنها تفرض أيضاً التعامل بجدية مع الأسئلة المشروعة التي تهم تدبير الشأن العام.
إن محاربة البناء العشوائي لا تُقاس بقوة التصريحات ولا بعدد الاتهامات المتبادلة، بل بمدى احترام القانون، وفعالية المراقبة، وتكافؤ المعاملة أمام المساطر القانونية، وأي انتقائية في تطبيق القانون، إن ثبتت، من شأنها أن تضرب الثقة في المؤسسات وتعمّق الشعور بوجود تفاوت بين المواطنين في الاستفادة من الحماية القانونية أو الخضوع للمساءلة.
مديونة تحتاج إلى التنمية لا إلى مزيد من التراشق
في نهاية المطاف، لا ينبغي اختزال ما جرى في مجرد مواجهة بين رئيس مجلس وعضو ينتمي إلى الحزب نفسه، كما لا يجوز اتخاذه أساساً لإدانة أي طرف دون أدلة.
المطلوب هو فصل الخلافات السياسية عن مساطر التحقق، والانتقال من الاتهامات الشفوية إلى الوقائع والوثائق، ومن السجال داخل قاعة المجلس إلى نقاش مؤسساتي يضع مصلحة الإقليم في المقدمة.
فمديونة أكبر من خلافات المنتخبين، وحقوق ساكنتها لا ينبغي أن تبقى رهينة التجاذبات أو الصراعات الداخلية. ومن حق المواطنين أن يعرفوا حقيقة ما أُثير خلال الدورة الاستثنائية، ومن واجب المعنيين تقديم التوضيحات اللازمة، كلٌّ في حدود مسؤوليته، مع إتاحة المجال للجهات المختصة للقيام بعملها وفق القانون.
الرسالة اليوم واضحة: لا إدانة دون دليل، ولا ينبغي أن تكون الصفة السياسية أو القرابة العائلية سبباً في تعطيل التحقق من أي مخالفة محتملة. أما المؤسسات المنتخبة، فدورها الأساسي هو خدمة المواطنين وصون المال العام وتعزيز الثقة في القانون، لا تحويل دوراتها إلى ساحات للتلاسن وتبادل الاتهامات.
فحين يتراجع النقاش حول التنمية ويتقدم الصراع بين المنتخبين، يصبح من حق الساكنة أن تسأل: من يدافع عن أولويات الإقليم، ومن يضمن أن تبقى قواعد القانون فوق الجميع؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد